{
  "book_title": "الإيمان بالله",
  "main_theme": "عرفتُ الله",
  "introduction": {
    "title": "عرفتُ الله",
    "sections_overview": [
      "أولا : هل عرفت الله حقا ؟",
      "ثانيا : ما أدلة وجود الله ؟",
      "ثالثا : ما حقيقة القول بالمصادفة ؟",
      "رابعا : أسماء الله وصفاته ؟",
      "خامسا : ما معنى لا إله إلا الله ؟",
      "سادسا : ما آيات وأحاديث الصفات",
      "سابعا : ما علامات الإيمان بالله ؟",
      "ثامنا : ما طرق زيادة الإيمان ؟",
      "تاسعا : ما الفارق بين العبودية والعبادة؟",
      "عاشرا : حديث قدسي مُذهل !!"
    ]
  },
  "chapters": [
    {
      "title": "أولاً: هل عرفت الله حقاً؟",
      "pages": [
        {
          "page_number": 2,
          "content": [
            "هل عرفت الله حقا ؟ !",
            "هل قدرت الله قدره ؟! هل رجوته ؟ هل من القلب دعوته ؟!",
            "لو عرفته ما عصيته.",
            "عصيت الذي يرعاك .. وبارزت بالذنوب مولاك",
            "ويحك ! ماذا دهاك ؟!",
            "حتى بعت هداك بهواك .",
            "ويحك !",
            "ألا يفيق من عرف الطريق ؟! ألا يعلم أن بعد سعة الدنيا ضيق ؟",
            "فكيف وحتى نعم الدنيا تَغَضُّ بالريق ؟",
            "إن لم تعرف الله حقا، فأنت غريق غريق ..",
            "ولن ينفعك غدًا حبيب ولا صديق .",
            "فإذا زارك الموت على هذه الحال، فإلى أي فريق ؟!",
            "هذا قد وضح الطريق ..",
            "فإما جنة نعيم.. أو عذاب حريق ."
          ]
        },
        {
          "page_number": 3,
          "content": [
            "كان أحمد بن عاصم الأنطاكي يقول: «أحب أن لا أموت حتى أعرف مولاي، وليس معرفته الإقرار به، ولكن المعرفة التي إذا عرفته بها استحييت منه » .",
            "ومعلوم أن شرف العلم تابع لشرف المعلوم، ولا شك أن أجل معلوم وأعظمه وأكبره هو الله رب العالمين، فالعلم بالله وأسمائه وصفاته هو أشرف العلوم.",
            "وقد أجمع أطباء القلوب على أن محركات القلوب إلى الله ثلاثة : المحبة والخوف والرجاء، وهذه الثلاثة لا ينالها إلا من عرف الله حقا ، فمن عرف الله حقا أحبه وخافه ورجاه ."
          ]
        },
        {
          "page_number": 4,
          "content": [
            "ومعرفة الله التي أعنيها ليست المعرفة العامة، أي معرفة الإقرار بوجود الله، فهذه يشترك فيها البر والفاجر، لكنها المعرفة الخاصة التي توجب الحياء من الله، ومحبته، والتوكل عليه، والأنس به سبحانه.",
            "ومعرفة الأمر ضرورة لازمة قبل تنفيذ الأمر، لأنها التي تؤدي إليه، وتُسلم زمام المرء إلى ربه، فمستحيل أن تعرفه ثم لا تحبه، وأن تحبه ثم لا تطيعه، وأن تطيعه ثم لا تسعد بالقرب منه في الدنيا والآخرة، بل كلما قويت معرفتك بربك قويت محبتك له، وتلذذت بطاعته وخدمته.",
            "نعم .. معاملة العباد لربهم بحسب معرفتهم به، فكلما زادت المعرفة بالله ارتقت المعاملة معه، وانظر ما حدث مع موسى حين رأى آثار تجلي الله على الجبل الذي اندك، فخر موسى صعقًا، فلما أفاق ماذا قال لربه ؟!",
            "قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأعراف : ١٤٣ ] .",
            "هذا قوله حين رأى آثار تجلي الله على الجبل، فكذلك القلب لو رأى آثار تجلي صفات الله على أرجاء هذا الكون.",
            "وبحسب معرفة الله تتحدد درجات العباد في الجنة، حتى قال أبو حامد الغزالي : «الجنة بقدر حب الله تعالى، وحب الله تعالى بقدر معرفته، فأصل السعادات هي المعرفة التي عبر الشرع عنها بالإيمان».",
            "وهي معرفة تصاعدية، وعلى هيئة مدارج، ينتقل معها العبد من درجة إلى درجة أعلى منها، وكلما زدت قربا من الله قربك، فزدت معرفة له وطاعة لأمره واجتنابا لنواهيه.",
            "وما أجمل هذا القول لابن عباس : «حجب الذات بالصفات، وحجب الصفات بالأفعال، فإن العبد يترقى من معرفة الأفعال إلى معرفة الصفات، ومن معرفة الصفات إلى معرفة الذات، فإذا شاهد شيئا من حسن جمال الأفعال استدل به على جمال الصفات، ثم استدل بجمال الصفات على جمال الذات » ."
          ]
        },
        {
          "page_number": 5,
          "content": [
            "أي أن المؤمن يرى الله في كل ما يجري حوله، وينسب كل شيء حدث حوله إلى إرادة الله وتقديره .",
            "1. ترى لطف الله بك في محنة، فتستدل بصفة (اللطف) عليه .",
            "2. ترى مكر الله بالمجرمين، وإمهاله للظالمين، فتطمئن وتشفي غيظك وأنت ترى تحقق قول ربك : ﴿وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ .",
            "3. تتعرض لخصومة أو عداوة أو ظلم، فتنظر من وراء أحجبة الغيب إلى من سلط عليك أعداءك، فتستريح . قال ابن تيمية: «العباد آلة؛ فانظر إلى الذي سلطهم عليك، ولا تنظر إلى فعلهم بك، لتستريح من الهم والغم » .",
            "4. تسعى في صلح بين زوجين متخاصمين، فتنسب هذا التوفيق لربك لا لبراعتك وسعيك : ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ﴾ .",
            "5. تضحك يوما فيمتلئ قلبك سرورًا، فتنسب هذا الفضل لله وحده : ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى ﴾ [النجم: ٤٣].",
            "6. تركب دابة أو سيارة أو طائرة، فلا تراها غير سبب لا قيمة له من دون الله، فهو الذي سخرها لك لتحملك، وفي الحديث : « على ذروة كل بعير شيطان، فامتهنوهن بالركوب، فإنما يحمل الله تعالى » (١).",
            "وهكذا في سائر الأحداث اليومية ومواقفك الحياتية.",
            "ومن المؤسف أن الناس اليوم صاروا ينسبون ما يمرون به من أحداث إلى أسبابها، مقطوعة عن مُقَدِّرها سبحانه، لذا ارتحل خوف الله من قلوب الكثيرين، وحلَّت المادية مكان الروحانية.",
            "(1) صحيح : رواه الحاكم عن أبي هريرة كما في صحيح الجامع رقم: ٤٠٣٠ ."
          ]
        },
        {
          "page_number": 6,
          "content": [
            "لكن المؤمن حمى قلبه من عواصف المادية الشرسة، فاحتفظ ببصيرته، ولم يعلق قلبه بالأسباب الأرضية، بل تعرف بالسبب على المسبب؛ وبالخلق على الخالق، فخاف ربه ورجاه، ولم يركن لأحد سوى مولاه، وصاحب هذا القلب بين الناس قليل الذنوب، فإن أذنب فسرعان ما يتوب، لأن التزامه بالأمر من معرفته بالأمر، والتهاون بالأمر دائما ما يكون سببه : قلة معرفة الأمر.",
            "قيل للفضيل بن عياض : ما أَعْجَبُ الأشياء ؟ فقال : «قَلْبُ عَرَفَ اللَّهَ عَزَّ وجل ثُمَّ عصاه » ."
          ]
        }
      ]
    },
    {
      "title": "ثانياً: ما أدلة وجود الله؟",
      "pages": [
        {
          "page_number": 7,
          "content": [
            "إنها أربع مجموعات من الأدلة :",
            "- دلالة الفطرة.",
            "- دلالة الهداية.",
            "- دلالة العقل.",
            "- دلالة الخلق.",
            "الدليل الأول : دليل الفطرة",
            "قال رسول الله ﷺ : « ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه ، أو ينصرانه ، أو يمجسانه ، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء » (۱) .",
            "ما أدلة وجود الله ؟ !",
            "- دلالة الفطرة",
            "- دلالة العقل",
            "- دلالة الهداية",
            "- دلالة الخلق",
            "(1) صحيح رواه الشيخان وأبو داود عن أبي هريرة كما في صحيح الجامع رقم: ٥٧٨٤."
          ]
        },
        {
          "page_number": 8,
          "content": [
            "فمعناه أنه يولد على الفطرة، ثم بعد ذلك تعمل فيه الأيدي التي ترييه ، وهو ما أشار إليها بعض السلف بقوله : « عرفت ربي بربي ، ولولا ربي ما عرفت ربي » .",
            "ومعنى الحديث أن كل إنسان لو ترك من وقت ولادته دون مؤثرات لأوصله ذلك إلى الدين الحق، وكما أن البهائم تولد بأعضاء كاملة غير منقوصة، ثم يقوم أهلها بقطع آذانها لتمييزها، فكذلك الإنسان يولد على الفطرة، ثم يؤثر فيه أهله والبيئة المحيطة به .",
            "ولم يقل في الحديث: (أو يُسلمانه )؛ لأن الفطرة هي الإسلام، والحديث احتج به القائلون بأن أولاد اليهود والنصارى الذين ماتوا قبل أن بلوغ الحلم في الجنة.",
            "وفي الحديث: « وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم » (۱) ، أي عندما خلقتهم كانوا مستعدين لقبول الحق، والميل عن الضلال إلى الاستقامة، حتى أتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، أي صرفتهم عنه .",
            "قال ابن القيم في كلام قيم له عن الفطرة: « بل الطفل يختار مض اللبن بنفسه، فإذا مُكِّن من الثدي وجدت الرضاعة لا محالة، فارتضاعه ضروري إذا لم يوجد معارض، وهو مولود على أن يرضع؛ فكذلك هو مولود على أن يعرف الله، والمعرفة ضرورية لا محالة إذا لم يوجد معارض » .",
            "لكن قد يحجب هذا الشعور الفطري وجود الرخاء والعافية، لكن نزول الشدائد والمحن، يرد العبد إلى فطرته، فينقلب الملحد ضارعا لربه منيبا إليه.",
            "قال تعالى : ﴿ وَإِذَا غَشِيَهُم مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَتَهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُ خَتَّارِ كَفُورٍ ﴾ [لقمان: ٣٢].",
            "(1) صحيح : رواه مسلم عن عياض بن حمار المجاشعي كما في صحيح مسلم رقم: ٢٨٦٥."
          ]
        },
        {
          "page_number": 9,
          "content": [
            "لذا لما سأل رجل الإمام جعفر الصادق عن الله، فقال له : ألم تركب البحر؟، قال : بلى، قال : فهل حدث لك مرة أن هاجت بكم الريح عاصفة ؟ ، قال : نعم ، قال : وانقطع أملك من الملاحين ووسائل النجاة ؟",
            "قال : نعم ، قال : فهل خطر ببالك وانقدح في نفسك أن هناك من يستطيع أن ينجيك إن شاء ؟ قال : نعم، قال جعفر : فذلك هو الله .",
            "ويروي الشيخ عائض القرني في كتابه (لا تحزن): \"ارتحلت مع نَفَرٍ من الناس في طائرة من أبها إلى الرياض في أثناء أزمة الخليج، فلما أصبحنا في السماءِ أُخبرنا أننا سوف نعود مرةً ثانيةً إلى مطار أبها لخلل في الطائرة، وعدنا وأصلحوا ما استطاعوا إصلاحه، ثم ارتحلنا مرة أخرى، فلما اقتربنا من الرياض أبت العجلات أن تنزل، فأخذ يدور بنا على سماء الرياض ساعةً كاملة، ويحاول أكثر من عشر محاولات، يأتي المطار ويحاول الهبوط فلا يستطيع، فيرتحل مرة أخرى، وأصابنا الهلع، وأصاب الكثير الانهيار، وكثر بكاء النساء، ورأيت الدموع تسيل على الحدود، وأصبحنا بين السماء والأرض ننتظر الموت أقرب من لمح البصر، وتذكرتُ كلّ شيءٍ فما وجدت كالعمل الصالح، وارتحل القلب إلى الله عز وجل وإلى الآخرة، فإذا تفاهـة الدنيا، ورخص الدنيا، وزهادة الدنيا، وأخذنا نكرر : (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو كل شيء قدير)، في هتاف صادق، وقام شيخ كبير مسن يهتف بالناس أن يلجؤوا إلى الله وأن يدعوه، وأن يستغفروه وأن ينيبوا له.",
            "ودعونا الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وألححنا في الدعاء، وما هو إلا وقت، ونعود للمرة الحادية عشرة والثانية عشرة، فنهبط بسلام، فلما نزلنا كأنا خرجنا من القبور، وعادت النفوس إلى ما كانت، وجفت الدموع، وظهرت البسمات، فما أعظم لطف الله سبحانه وتعالى.",
            "كم نطلب الله في ضُرِّيحِلُّ بنا فإن تولّت بلايانا نَسِيَناهُ",
            "ندعوه في البحر أن يُنجي سفينتنا فإن رجعنا إلى الشاطي عصيناه",
            "ونركب الجو في أمن وفي دَعَـةٍ وما سقطنا لأن الحافظ الله"
          ]
        },
        {
          "page_number": 10,
          "content": [
            "ثانيا : دليل العقل",
            "ومن أهم هذه الأدلة : الاعتماد على مبدأ السببية في إثبات الإيمان، فلا يوجد شيء في الكون إلا بسبب، ولا خلق إلا بخالق، كما قال الأعرابي قديما : البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فأرض ذات فجاج، وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر، أفلا يدل ذلك على السميع البصير؟",
            "وهو ما كاد أن يطير له قلب جبير بن مطعم، ومن أسباب إسلامه، فقد جاء يفاوض في أسرى بدر، ومنهم أبوه مطعم بن عدي، فانتهى إلى النبي ﷺ وهو يؤم الناس في صلاة المغرب، فقد روى البخاري في صحيحه عن جبير بن مطعم قال :",
            "« سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية : ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ ﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٧] كاد قلبي أن يطير » (١).",
            "وهذه الآية استفهام إنكاري يقول الله تعالى فيه :",
            "هل وجدوا من غير مبدع ؟",
            "أم هم الخالقون لأنفسهم؟",
            "والنتيجة معلومة بالفطرة والضرورة،",
            "لذا انزعج جبير بن مطعم عند سماع هذه الآية لفهمه معناها، لما فيها من بليغ الحجة، فأمن من آية واحدة !",
            "الصنعة تدل على الصانع",
            "والخلق يدل على الخالق",
            "(1) صحيح البخاري رقم : ٤٨٥٤."
          ]
        },
        {
          "page_number": 11,
          "content": [
            "وكيف يمكن لعاقل أن يجحد هذه الحقيقة وقد شهد بها حذاؤه الذي يرتديه، والثوب الذي يلبسه، والسيارة التي تُقِلُّه، بل وطعامه وشرابه وكل شيء حوله، فكل ما حولك يدل على أن لكل فعل منها فاعلاً لا محالة.",
            "يقول ستيفن ماير، مؤلف كتاب (توقيع الخالق في الخلية) وهو ينقل عن بيل جيتس (مؤسس مايكروسوفت) قوله : «إن جُزيء DNA يشبه برنامجا حاسوبيا، ولكنه أكثر تطورًا بدرجة هائلة من أي برنامج استطاع الإنسان إنتاجه » .",
            "ثم يقول : «إن هذه الملاحظة مثيرة تمامًا، لأننا نعلم أن البرامج تأتي دائمًا من مبرمجين، كما نعلم أن المعلومات لا تأتي إلا من مصدر ذكي عاقل، إذن عندما نجد معلومات مضمنة في \"DNA\" ، فإن الاستنتاج الأكثر منطقية هو أنها جاءت من مصدر ذكي عليم » .",
            "وعند الفراغ من قراءة الجينوم البشري كان ما نجح العلماء في اكتشافه من حقائق ومعلومات قد ملأ ربع مليون صفحة من صفحات كتاب متوسط الحجم.",
            "عندها قال البروفسور فرانسس كولنز، مدير مشروع الجينوم، كلمته الشهيرة : «الآن علمنا الله اللغة التي خلق بها الحياة » ، ثم قال : إنني أشعر بالإثارة والذهول عندما أفكر بالأمر؛ لقد ألقينا للتو النظرة الأولى على \"كتاب التعليمات البشري\" (كتالوغ الإنسان) الذي كتبه الله ولم يطلع عليه من قبل سواه .",
            "هذه الاكتشافات الحديثة دفعت واحدا من أكبر ملحدي القرن العشرين إلى الإيمان، فما لبثت الأوساط العلمية أن فوجئت في عام ٢٠٠٤ بخبر مثير نشرته وكالة أنباء أسوشيتدبرس : « ملحد شهير يؤمن بالإله اعتمادًا على الأدلة العلمية » .",
            "وجاء في تفاصيل الخبر: « بعدما أمضى معظم حياته مصرا على نفي وجود الخالق يقول أنتوني فلو، وهو في الحادية والثمانين من العمر اليوم : لا بد أن ( قوة ذكية ما ) هي التي خلقت الكون، إن الذكاء الخارق ) هو التفسير الجيد الوحيد لنشأة الحياة وتعقيد الطبيعة » ."
          ]
        },
        {
          "page_number": 12,
          "content": [
            "ثالثا : دليل الهداية",
            "قال تعالى : ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ تُرْهَدَى ﴾ .",
            "قال ابن الجوزي : « وفي قوله : ﴿وَهَدَى﴾ ثلاثة أقوال :",
            "أحدها: هدى كيف يأتي الذَّكَرُ الأنثى، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال ابن جبير.",
            "والثاني : هدى للمنكح والمطعم والمسكن، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس .",
            "والثالث : هدى كل شيء إلى معيشته، قاله مجاهد » .",
            "وهذه الهداية هي هداية النحل لاتخاذ الشجر والجبال بيوتا.",
            "وهداية الطفل لا لتقام ثدي أمه ؟!",
            "وهداية الأم لغريزة الأمومة وحب الولد ؟!",
            "وهداية الطيور للهجرة في مواسم معينة ولأماكن محددة ؟!",
            "وهداية أسماك السالمون التي تولد في الأنهار، ثم تأخذ طريقها نحو البحار، حيث يكتمل نموها حتى تصل لمرحلة النضج الجنسي، ثم ترجع إلى موطنها الأول في الأنهار لإنجاز مهمة التناسل والموت على أرض الوطن.",
            "هل تأملت يوما ملامح الإعجاز في الخلق ؟",
            "وذكروا في سبب هذا : الذاكرة الكيميائية التي وهبها الله لأسماك السالمون، فسمك السالمون يتذوق رائحة ماء النهر التي تعبر فمه وخياشيمه، ثم يقارنها بما احتفظ به أرشيف ذاكرته من رائحة وطعم للماء الذي ولد فيه، وبعد التأكد من تماثل الرائحتين، ينطلق سمك السالمون في مساره الذي لا يحيد عنه حتى يرجع إلى وطنه.",
            "فمن الذي علم هذا الخلق كل هذا ؟! ومن هداه ؟! إنه الله رب العالمين."
          ]
        },
        {
          "page_number": 13,
          "content": [
            "من عجائب الهدايات !",
            "في كتابه الماتع ( غريزة أم تقدير إلهي ) يعرض الأستاذ شوقي أبو خليل عشرات النماذج لهداية الله للحيوان والطير، وهي نماذج تثير الدهشة حقا، ومنها على سبيل المثال:",
            "- متى شعر الماعز الجبلي الأمريكي بدنو أجله، لتقدمه في السن، أو لمرضه، ترك رفقاءه، وتوغل داخل أحد الكهوف، ويصبح هذا الكهف قبرا له، ولذلك قلما يعثر أحد على رفات هذا الماعز، فكيف أحس بدنو أجله ؟!",
            "- يُجهر الدب القطبي على فريسته، وكل ما يريده منها هو قدر من الجلد والطبقة الدهنية، وبعد ذلك يمضي في سبيله تاركا اللحم والعظام، والثعالب القطبية تعرف هذا جيدا، لذلك ترقب الدب القطبي وتتبعه، لأنها تقدر القيمة العظيمة للطعام المتروك .",
            "- سرب طائر الزرزور Starling يسير وراء قائده كأنه فرقة مدربة من الجند النظاميين، لا يشذ فرد عن النظام، فكلها تسير بسرعة واحدة، وترتفع ثم تنخفض بتوافق لا نشاز فيه، وتدور وتلف في الفضاء دون أن يخرج أحدها عن مكانه، حتى ليتوهم الناظر، أن السرب كله مسير بعقل واحد، يُصدر أوامره، فيتحرك الجميع كأنـه جـســـم واحـد.",
            "- قد يقع للبطة البرية حادث أثناء بحثها عن الأسماك المحارية، فتطبق على منقارها فلقـتــا محــارة (الموسل)، فلا تستطيع البطة التخلص منها مهما دقت بالمحارة فوق الصخور، ولكن تفكيرها الحكيم يهديها إلى التوجه إلى بركة من الماء العذب، وهناك تغطس الحيوان الذي لا يعيش إلا في الماء المالح، وعندئذ تضعف قوته، فتنفرج فلقتا المحار، وإذا سلمنا أن البطة وصلت إلى هذا التفكير السليم بالتجربة، فكيف نعلل انتقال هذه المعلومات الحكيمة إلى الأبناء دون أن يجروا التجربة بأنفسهم ؟"
          ]
        },
        {
          "page_number": 14,
          "content": [
            "رابعا : دليل الخلق",
            "قال تعالى : ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ﴾ [فصلت : ٥٣] .",
            "وهذه الآيات تزداد يوما بعد يوم، فكلما تقدم الإنسان في مناحي العلوم المختلفة، تبين له ملامح الإعجاز في الخلق حتى قال لينوس باولنج الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء : «إن خلية حية واحدة من بدن الإنسان هي أشد تعقيدا من مدينة نيويورك » .",
            "وإليك بعض الأرقام الطريفة عن عجائب خلق الله في جسم الإنسان كمثال، وخلق الله لا يُعَدُّ ولا يُحصَى :",
            "- يتكون جسم الإنسان من حوالي ٨٠ ألف مليار خلية بدأت كلها بانقسام خلية واحدة داخل الرحم.",
            "- يظل الجسم في حالة مستمرة من بناء وإصلاح الخلايا في ما عدا خلايا الجهاز العصبي والقلب.",
            "- يموت في كل دقيقة ٣٠٠ مليون خلية .",
            "- ينتج الجسم يوميا ٣٠٠ مليار خلية.",
            "المخ :",
            "- يتكون المخ من ١٠٠ مليار خلية عصبية.",
            "- تحتوي كل خلية على مليون مضخة للملح لازمة لعمل الخلية وإرسال الإشارات العصبية، ولا يتوقف أي منها عن العمل حتى وأنت نائم.",
            "- يمر بالمخ ٣٥ - ٥٠ فكرة في الدقيقة أي قرابة ٥٠ ألف فكرة يوميا.",
            "- يستطيع المخ أن يحتفظ بمعلومات تقدر بخمسة أضعاف الموسوعة البريطانية.",
            "- تسير الإشارات العصبية بسرعة ٢٧٠ كيلو متر في الساعة."
          ]
        },
        {
          "page_number": 15,
          "content": [
            "القلب :",
            "- تنقبض عضلة القلب مائة ألف مرة يوميا، أي ٣٥ مليون مرة سنويا، وقرابة ٣ مليارات مرة في العمر المتوسط بدون أي توقف أو راحة.",
            "- يضخ القلب ٨ آلاف لتر من الدماء يوميًا أي مليون برميل في العمر المتوسط.",
            "- يسير الدم ما مقداره ١٩٠٠٠ كيلو متريوميا، وهو ما يعادل أربعة أضعاف عرض القارة الأمريكية.",
            "- طول الشرايين والأوردة والشعيرات الدموية حوالي ٩٥ ألف كيلومتر.",
            "- تقوم خلية الدم بدورة كاملة في الجسم خلال دقيقة واحدة أي ١٤٤٠ دورة في اليوم ، و ٦٠ ألف دورة خلال دورة حياتها المقدرة بأربعين يوما، قبل أن يقوم الجسم باستبدالها بغيرها.",
            "الرئتان :",
            "- تتكون الرئتان من ٦٠٠ مليون حويصلة هوائية ، يبلغ مقدار مساحتها مجتمعة ٧٠ مترا مربعا ، أو ما يعادل ملعب تنس أرضي .",
            "- يمشي في جدرانها شعيرات دموية بطول ١٢٠٠ كيلو متر.",
            "- يتنفس الإنسان حوالي ۱۷۰۰۰ شهيقًا وزفيرا يوميا تلقائيا بلا تفكير.",
            "العين :",
            "- تتكون شبكية العين من أكثر من ١٠ ملايين خلية ضوئية موزعة بكثافة ؛ بمعدل ٢٠٠ ألف خلية لكل مليمتر مربع .",
            "- تقوم كل خلية منها بتحليل الضوء بصورة أفضل من أكثر أجهزة الكمبيوتر تعقيدا، حيث يتم ما يوازي ١٠ مليون عملية حسابية في جزء من الثانية لتحويل الصورة إلى إشارة عصبية يتم إرسالها إلى المخ، وهو ما يستغرق في الكمبيوتر عدة دقائق لعمله ."
          ]
        },
        {
          "page_number": 16,
          "content": [
            "الجهاز الهضمي :",
            "- تقوم الغدد في الفم بإفراز لتر ونصف من اللعاب يوميا ، وبدونه يجف الفم وتنتشر به البكتيريا.",
            "- تقوم الخلايا المبطنة لجدار المعدة بإفراز مادة قلوية كل جزء من الثانية لتعادل الأحماض التي تفرزها المعدة، وبدون هذه المادة ستقوم المعدة بهضم نفسها.",
            "- يقوم الجسم بتجديد الخلايا المبطنة للمعدة بالكامل كل أربعة أيام.",
            "- يبدأ الجهاز الهضمي عمله قبل أن يدخل الطعام الفم، وبمجرد شم رائحة الطعام يقوم الفم بزيادة إفراز اللعاب لبدء عملية الهضم.",
            "- يتناول الإنسان العادي قرابة ٥٠ طن من الطعام في متوسط عمره .",
            "الكلى :",
            "- هل تعلم أن كل كلية تحتوي على مليون فلتر دقيق تعمل سويا لفلترة ١٨٧٢ لتر في اليوم الواحد، وتقوم الكليتان في الوقت نفسه بطرد ٤.١ لتر من البول يوميا، لتقوم بدور أساسي في ضبط نسبة الأملاح في الدم.",
            "- هل تعلم أن الكلى تقوم بإفراز هرمونات لها دور أساسي في تجديد كريات الدم الحمراء وتؤثر في ضغط الدم.",
            "الجلد :",
            "يحتوي كل سنتيمتر مربع من الجلد على:",
            "- مليون خلية.",
            "- ٢٠٠ مستشعر للألم.",
            "- ٢٥ مستشعر للضغط.",
            "- ٣٥ غدة عرقية .",
            "- ٥٠٠ خلية عصبية.",
            "- ١٥ مستشعر للحرارة.",
            "- ۳۰۰۰ نهاية عصبية.",
            "- ٣٠ سم من الشعيرات الدموية."
          ]
        }
      ]
    },
    {
      "title": "ثالثا: ما حقيقة القول بالمصادفة ؟!",
      "pages": [
        {
          "page_number": 17,
          "content": [
            "إن القول بأن هذا الكون خلق مصادفة من غير خالق ليس قولا بعيدا عن الصواب فحسب، بل بعيد عن المعقول، ويُدخل صاحبه في عداد من فقدوا عقولهم، فهم يكابرون في الدليل الذي لا يجد العقل بدا من التسليم به .",
            "يقول عبد الله بن صالح العجيري في كتابه القيم ( شموع النهار) وهو يسوق أقوال العلماء المعاصرين في دقة خلق هذا الكون :",
            "- مارتن ريز عالم الفلك البريطاني الشهير وصاحب كتاب (مجرد ستة أرقام) يرى أن الجاذبية الأرضية لو كانت أقوى قليلا مما كانت عليه، فإن النجوم كانت ستحترق وتستنفد طاقتها بشكل سريع جدا مما يعجل باندثارها، فالشمس مثلا لو زادت قوة الجاذبية إلى الضعف، فسينخفض عمرها الممكن من ١٠ مليار سنة إلى أقل من ١٠٠ مليون سنة فقط، وتقديرات علماء الفلك أن عمر الشمس ٤,٦ مليار سنة، وأن لديها مخزونا هيدروجينيا يمكنها من البقاء لأكثر من ٥ مليارات سنة قادمة .",
            "- القوة الموجودة التي في نواة كل ذرة دقيقة جدا، بحيث لو كانت أضعف بمقدار ٢٪ مما هي عليه، فإن ذرات الهيدروجين ستتنافر، ولن تتمكن من الاندماج حتى تشكل موادًا أخرى، بل سيكون الكون كله مؤلفا من ذرات الهيدروجين فقط، ولو كانت هذه القوة أقوى بمقدار ٢% فإن ذرات الهيدروجين ستتجاذب وتندمج بشكل متسارع بحيث"
          ]
        },
        {
          "page_number": 18,
          "content": [
            "تتشكل منها ذرات الهيليوم، والتي ستكون لها وحدها السيطرة على عالم المادة في الكون، فهذا التوازن العجيب هو سبب بقاء الدنيا، ولولاه لما استقامت الحياة.",
            "ويمكننا أن نفهم شيئًا عن قانون الصدفة من المثال التالي : (لوتناولت عشرة دراهم، وكتبت عليها الأعداد من ١ إلى ١٠، ثم رميتها في جيبك وخلطتها جيدا ثم حاولت أن تخرجها من الواحد إلى العاشر بالترتيب العددي، بحيث تلقي كل درهم في جيبك بعد تناوله مرة أخرى .. فإمكان أن نتناول الدرهم المكتوب عليه (٧،٦) في المحاولة الأولى هي واحد على عشرة؛ وإمكان أن نتناول الدرهمين (۱، ۲) بالترتيب واحد في المائة، وإمكان أن تخرج الدراهم (١، ٢، ٣، ٤) بالترتيب هو واحد في العشرة آلاف .. حتى إن الإمكان في أن تنجح في تناول الدراهم ١ إلى ١٠ بالترتيب واحد في عشرة بلايين من المحاولات !",
            "لقد ضرب هذا المثال العالم الأمريكي الشهير (كريسي موريسن)، ثم استطرد قائلاً: (إن الهدف من إثارة مسألة بسيطة كهذه، ليس إلا أن نوضح كيف تتعقد (الوقائع) بنسبة كبيرة جدا في مقابل (الصدفة).",
            "بول ديفيز المختص في مجال الفيزياء النظرية ، وهو صاحب عبارة (الحياة متزنة على حافة سكين)، وهي عبارة تبدو تعبيرا موغلا في التسطيح، إذ لا وجود لسكين في الكون لها حد بهذه الدقة، ولتقريب الصورة وحتى ندرك دلالة الاتزان على حافة السكين، نسأل سؤالا: ما مدى احتمالية أن تلقي بموس على خيط دقيق فيتزن الموس ؟! ثم تعمد إلى إلقاء ملعقة على الموس فتتزن عليها ؟! ثم تضع بيضة فوق الملعقة، فلا تقع ؟! ثم تضع فوق البيضة قلما ؟ وفوق القلم دبوسا ؟! وهكذا، إن الأمر يبدو مستحيلاً بلا شك .",
            "وقام فريد هويل بتوضيح استحالة ظهور أبسط شكل من أشكال الخلايا للوجود من خلال العشوائية والصدفة المحضة، فقال : إن الأمر أشبه بإعصار ضرب ساحة خرداوات، فكونت لنا طائرة بوينج ٧٤٧ قابلة للطيران، أو قول مايكل ترنز المختص في مجال الفيزياء الفلكية بأن الأمر أشبه بسهم أطلق من طرف الكون؛ ليصيب هدفا بمقدار مليمتر في طرف الكون الآخر."
          ]
        }
      ]
    },
    {
      "title": "رابعاً: أسماء الله وصفاته ؟!",
      "pages": [
        {
          "page_number": 19,
          "content": [
            "لكي نؤمن بالله حقا، لابد أن نتعرف عليه، وأفضل ما نتعرف بـه عـن الله هو أسماؤه الحسنى.",
            "قال الإمام قوام السنة الأصبهاني في (الحجة في بيان المحجة) حول قوله تعالى ﴿فَأَعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ : « فينبغي للمسلمين أن يعرفوا أسماء الله وتفسيرها، فيعظموا الله حق عظمته. ولو أراد رجل أن يتزوج إلى رجل أو يزوجه أو يعامله طلب منه أن يعرف اسمه وكنيته، واسم أبيه وجده، وسأل عن صغير أمره وكبيره، فالله الذي خلقنا ورزقنا ونحن نرجو رحمته ونخاف من سخطه أولى أن نعرف أسماءه ونعرف تفسيرها » .",
            "روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: « إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة » (1) .",
            "(1) صحيح البخاري رقم : ٢٧٣٦."
          ]
        },
        {
          "page_number": 20,
          "content": [
            "الفارق بين الإحصاء والعد:",
            "قال النبي ﷺ : « من أحصاها » ، فالإحصاء يختلف عن العد، لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَحْصَنَهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدَّا ﴾ ، ولا ترادف في ألفاظ القرآن، فمن أحصاها فقد استوفاها، أي أنه لم يقتصر على بعضها، لكن يدعو الله بها كلها، ويثني عليه بجميعها، ويعمل بمقتضاها، فيستوجب بذلك الجنة.",
            "والأمر يشبه حفظ القرآن، فقد جاء في الحديث أن الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، لكن .. ماذا لو أن منافقا حفظ القرآن ؟! هل ينفعه حفظه لكتاب الله ؟! القرآن هنا يصبح حجة عليه لاله، وكذلك الأسماء الحسنى، حين يحفظ العبد حروفها وتغيب عنه معانيها ويضيع أهدافها.",
            "معنى الدعاء بالأسماء الحسنى ؟!",
            "هو أن يسأل العبد ربه في كل مطلوب له باسم يكون مقتضيا لهذا المطلوب، فيكون السائل متوسلا إلى الله بهذا الاسم، وهذه العبارة أولى من عبارة : التخلق بأسماء الله، وحديث : « تخلقوا بأخلاق الله » ، لا أصل له في كتب السنة، وأحسن من ذلك عبارة : التعبد بأسماء الله الحسنى، وأحسن من كل هذا استعمال التعبير القرآني : ﴿ فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ ، وهو الدعاء المتضمن للتعبد والسؤال."
          ]
        },
        {
          "page_number": 21,
          "content": [
            "أقسام الدعاء !",
            "الدعاء ثلاثة أقسام :",
            "الأول : أن تسال الله تعالى بأسمائه وصفاته.",
            "الدعاء بالسماء الله و صفاته",
            "والثاني : أن تسأله بذلك وبحاجتك وبافتقارك ، فتقول : أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، ونحو ذلك.",
            "الدعاء بالذل و الافتقار",
            "والثالث : أن تسأل الله حاجتك، ولا تذكر واحدا من الأمرين الأول والثاني.",
            "الدعاء بذكر المسألة و الحاجة",
            "فالدعاء الأول أكمل من الثاني.",
            "والدعاء الثاني أكمل من الثالث، فإذا جمع الدعاء الأمور الثلاثة كان أكمل الدعاء وأفضله على الإطلاق.",
            "وقد اجتمع الثلاثة في الدعاء الذي علمه النبي ﷺ الصديق الأمة ، حين قال لـه أبو بكر : علمني دعاء أدعو به في صلاتي ، فقال له الـ النبي ﷺ : « قل : اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني ، إنك أنت الغفور الرحيم » (1) .",
            "فقوله : « ظَلَمْتُ نفسي ظلما كثيرا » : إشارة إلى حال السائل وتذلله لله وافتقاره إليه.",
            "وقوله : «وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت » : إشارة لصفة المسؤول سبحانه.",
            "وقوله : « فاغفر لي مغفرة من عندك » : فيه ذكر حاجته.",
            "(1) صحيح : رواه الشيخان والترمذي والنسائي عن ابن عمر وأبي بكر كما في صحيح الجامع رقم : ٤٤٠٠ ."
          ]
        },
        {
          "page_number": 22,
          "content": [
            "ثم ختم هذا الدُّعاء باسمين من الأسماء الحسنى تناسب مطلوبه غاية المناسبة وتقتضيه : « إنك أنت الغفور الرحيم » .",
            "عدد الأسماء الحسنى :",
            "ليست أسماء الله محصورةً في تسعة وتسعين، بل هي كثيرة جدا ، لا يُمكن عدها، فلا تدخل تحت حصر، ولا تُحدُّ بعدد ؛ فإنَّ الله تعالى أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده، لا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل ؛ كما جاء في الحديث الصحيح : « أَسْأَلُك بِكُلِّ اسْم هو لك ؛ سَمَّيْتَ به نَفْسَكَ ، أو عَلَّمْتَه أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ ، أو أنزلته في كتابك ، أو استأثرت به في علم الغيب عندك » ، فجعل أسماءه ثلاثة أقسام:",
            "- قسم سمى به نفسه ، فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم، ولم ينزل به كتابه .",
            "- وقسم أنزل به كتابه ، فتعرف به إلى عباده.",
            "- وقسم استأثر به في علم غيبه ، فلم يَطَّلع عليه أحد من خلقه، ولهذا قال: « استأثرت به » أي انفردت بعلمه .",
            "الفارق بين صفات الله وصفات الخلق !",
            "يقول الشيخ حافظ بن أحمد حكمي : « ولا يلزم من اتفاق التسمية اتفاق المسميات، فإن الله تعالى قد سمى نفسه : سميعًا بصيرا، وأخبرنا أنه جعل الإنسان سميعا بصيرا).",
            "وسمى نفسه الرؤوف الرحيم، وأخبر أن نبيه ﴿ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ .",
            "وسمى نفسه الملك ، فقال : ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ ، ﴿ مَلِكِ النَّاسِ ﴾ ، وسمى بعض خلقه ملكا فقال : ﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ﴾ ."
          ]
        },
        {
          "page_number": 23,
          "content": [
            "وهو العزيز، وسمَّى بعض عباده عزيزا، وغير ذلك ، فلا يلزم من اتفاق التسمية اتفاق الأسماء ومقتضياتها ، فليس السمع كالسمع، ولا البصر كالبصر، ولا الرأفة كالرأفة، ولا الرحمة كالرحمة، ولا العزة كالعزة، كما أنه ليس المخلوق كالخالق » .",
            "أسرار التكرار تغري الأبرار !",
            "إن تكرار أسماء الله الحسنى بهذا العدد الوفير في القرآن والأحاديث لهو دليل قاطع على أهمية تدبر العباد لها، ليتعرفوا بها على ربهم، ويدعوه بها، ويتعبدوا الله تعالى بها أفضل ما تكون العبادة.",
            "وإن لكل اسم من أسماء الله تعالى أثر من الآثار في الخلق والأمر، وأثر كل اسم يختلف عن الآخر وله مذاق خاص، وسأعرض هنا لبعض أسماء الله وصفاته، وقد اخترت منها عشرة أسماء على سبيل المثال، وإلا فلا يسع الكلام عن أسماء الله وصفاته آلاف الصفحات وعشرات المجلدات.",
            "الاسم الأول : اسم الله الرحمن",
            "ولو ولم يكن لهذا الاسم فضل إلا أن الله بدأ به كتابه، لكفاه فضلا وشرفا، فلا يقرأ مسلم القرآن إلا واستفتح بقوله : بسم الله الرحمن الرحيم.",
            "فذكر الله صفة الرحمة عند بداية كلامه، ولم يبدأ بصفة القوة أو العزة أو غيرهما، ونحن هنا نقدم ما قدم الله .",
            "قال الإمام الرازي : \" كتب عارف من العارفين لما دنا أجله : ﴿ بِسمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ﴾ وأوصى أن تُجعل في كفنه ، فقيل له :"
          ]
        },
        {
          "page_number": 24,
          "content": [
            "أي فائدة لك في هذا ؟ قال : أقول يوم القيامة : إلهي .. بعثت إلينا كتابًا، وجعلت عنوانه : ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ ، فعاملني بعنوان كتابك » .",
            "وقد جاء اسم الرحمن في القرآن في سبعة وخمسين موضعا، بينما جاء اسم الرحيم في مائة وأربعة عشر موضعا .",
            "ومع أن دواعي غضب الرب من عبده أكثر بمئات المرات من دواعي رضاه عنه، ولا أقول هذا عن العبد الكافر أو الفاجر، بل حتى عن العبد الصالح، يأتي من دواعي غضب الله عند غفلته أو ضعفه ما يوجب غضب الله، ومع كل هذا فإن الله قضى أن رحمته سبقت غضبه .",
            "قال رسول الله ﷺ : « لما قضى الله الخلق كتب في كتابه ، فهو عنده فوق العرش : إن رحمتي غلبت غضبي » (1) .",
            "قال ابن القيم في الحكمة من سبق رحمة الله لغضبه : \" ورحمته سابقة على غضبه غالبة له، فإنه سبحانه لا يكون إلا رحيما، ورحمته من لوازم ذاته، فيستحيل أن يكون على خلاف ذلك، وليس كذلك غضبه، فإنه ليس من لوازم ذاته، ولا يكون غضبانا دائما غضبًا لا يتصور انفكاكه، بل يقول رسله وأعلم الخلق به يوم القيامة : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله ).",
            "ورحمته وسعت كل شيء، وغضبه لم يسع كل شيء.",
            "(1) صحيح : رواه الشيخان عن أبي هريرة كما في صحيح الجامع رقم : ٥٢١٤ ."
          ]
        },
        {
          "page_number": 25,
          "content": [
            "وهو سبحانه كتب على نفسه الرحمة، ولم يكتب على نفسه الغضب.",
            "ووسع كل شيء رحمة وعلما، ولم يسع كل شيء غضبًا وانتقامًا، فالرحمة وما كان بها ولوازمها وآثارها غالبة على الغضب وما كان منه وآثاره، ولهذا كانت الرحمة أحب إليه من العذاب، والعفو أحب إليه من الانتقام » .",
            "جاء في الصحيح أنه قدم على رسول الله ﷺ بسبي، فإذا امرأة من السبي تبتغي، إذ وجدت صبيا في السبي أخذته، فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال رسول الله ﷺ : أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟",
            "قالوا : لا والله .. وهي تقدر على أن لا تطرح ، فقال رسول الله ﷺ : لله أرحم بعباده من هذه بولدها (۱).",
            "وقد عُرف من سياق الحديث أنها كانت امرأة فقدت صبيها، وتضررت باجتماع اللبن في ثديها، فكانت كلما وجدت صبيا أرضعته؛ ليخفّ عنها، فهذه رحمة المرأة بولد ليس بولدها، فكيف رحمتها بولدها ؟! فرحمة الله بنا أعظم من رحمة هذه المرأة بولدها، وبالتالي يورثك استشعارك لرحمة الله : محبة الله ، ومحبة الله تورثك امتثال أمر الله ، وعدم مخالفة نهيه .",
            "رحمة الله بك منبع السكينة.",
            "قال تعالى : ﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ﴾ .",
            "آية لو استقرت في قلب العبد، لصمد كالطود أمام الأحداث والأشخاص والقوى، ولو تضافر عليه الإنس والجن، فهم لا يفتحون رحمة الله إن أمسكها، ولا يمسكونها إن أرسلها، فلا رجاء في أحد من الخلق، ولا خوف من أحد، فأي طمأنينة تسكبها هذه الآية في القلوب !",
            "(1) صحيح : رواه البخاري رقم : ٥٦٥٣ ومسلم رقم : ٢٧٥٤ ."
          ]
        },
        {
          "page_number": 26,
          "content": [
            "وإليك بعض ملامح الرحمة الربانية :",
            "1. الهداية والعصمة من الضلال رحمة:",
            "من تولاه الله ورحمه منعه وحجزه عن الضلال، ويمنع من أراد إضلاله من أن يضله، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء. قال تعالى : ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ ﴾ [النساء ١١٣].",
            "2. الوقاية من السيئات رحمة",
            "قال تعالى: ﴿ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ ﴾ [غافر: 9].",
            "من رحمه الله يوم القيامة وقاه السيئات، ومن حجب عنه رحمته وقع في السيئات وعوقب بها.",
            "ووقاية السيئات من أعظم علامات رحمة الله، ومعنى الوقاية من السيئات : عدم الوقوع فيها ابتداءً، فإن وقع العبد فيها فرحمة الله تكون بتيسير توبة العبد منها وقبولها، وبالتالي عدم معاقبته عليها في الدنيا أو الآخرة.",
            "ولذا كان من الدعاء النبوي المأثور: « اللهم ارحمني بترك المعاصي أبدا ما أبقيتني » .",
            "إن الحول والقوة من الله وحده، فمن حفظه الله ورعاه وعصمه فهو المرحوم، ومن وقع في السوء فهو الشقي المحروم، وهو من أمسك الله عنه رحمته .",
            "قال تعالى : ﴿ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ﴾ [يوسف ٥٣].",
            "لم استعمل هنا ﴿ مَا ﴾ لغير العاقل بدلاً من ( من ) مع أن الحديث عن النفس وهي عاقلة ؟ والجواب : التعبير بـ ﴿ مَا ﴾ يفيد العموم ، أي : إلا ما رحمه ربي من النفوس، وعصم به من الأوقات."
          ]
        },
        {
          "page_number": 27,
          "content": [
            "3. شرع الله رحمة :",
            "قال رسول الله ﷺ : « حَدُّ يُعمل به في الأرض خير لأهل الأرض من أن يُمطَروا أربعين صباحا » (1) .",
            "فرحمة الله ظاهرة في شريعته، وهي ممتزجة بحكمته، ورحمة الله ليست رقة مطلقة، بل لا تكون إلا في الموضع الصحيح الذي يعلمه العليم الخبير بما ينفع العباد، وهذه الرحمة قد تكون بقتل قاتل أو رجم زان أو قطع يد سارق، لأنها زواجر تزجر الفاعل وتردع غيره، فالمعتدي إذا علم أنه إن قتل سيُقتل ، وإن زنا سيرجم؛ انزجر عن جريمته، وبذا يتطهر المذنب وتتطهر الأمة بأسرها.",
            "4. بلاؤه رحمة !",
            "البلاء في حدّ ذاته رحمةً من رحماته لو عَقَلَ الناسُ وفهموا ما فيه من الخير والرفعة، اسمع بشارة النبي ﷺ : « لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وماله وولده حتى يلقى الله تعالى وما عليه من خطيئة » (٢) .",
            "ولذا جاء في الأثر: « إن المبتلى إذا دعي له : اللهم ارحمه، يقول الله سبحانه : كيف أرحمه من شيء به أرحمه ! » .",
            "فكم من مستاء من حال وهو مرحوم به ، ومسرور بحال وهو مستدرج به .",
            "قد يُنعِم الله بالبلوى وإن عظمت ويبتلي الله بعض القوم بالنعم",
            "5. مغفرة الذنوب رحمة !",
            "قال تعالى : ﴿ قُلْ يَعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ﴾ .",
            "(1) حسن : رواه النسائي وابن ماجة عن أبي هريرة كما في صحيح الجامع رقم : ٥٤٤١.",
            "(2) حسن : رواه النسائي وابن ماجة عن أبي هريرة كما في صحيح الجامع رقم: ٣١٣٠."
          ]
        },
        {
          "page_number": 28,
          "content": [
            "قال سهل التستري : « قال لهم : لا تقنطوا من رحمتي، فلو رجعتم إليَّ في آخر نفس من حياتكم قبلتكم » .",
            "ورآها عبد الله بن عمر أرجى آية في القرآن، فقد أبى الله إلا أن يتودد إليهم بقوله : ﴿ يَعِبَادِي ﴾ ، ومقام العبودية مقام نفيس جدا، حتى افتخر به النبي ﷺ ، فقال : « إنما أنا عبد، فقولوا : عبد الله ورسوله » .",
            "وانظر كيف نسب الله العبد المسرف على نفسه بالمعاصي إليه، وكأنه يقول له : أنت عبدي مهما أخطأت وأسرفت.. فسبحانه ما أرحمه !!",
            "وحسبك أن الله سبحانه قد جعل القنوط من رحمته هو سبيل أهل الضلال، فقال: ﴿ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُونَ ﴾ ...",
            "فطوبى لمن عمل مع الرجاء، فمن أتى ربه بالرجاء كان الله له أرجى، ومن أتاه بالقرب كان الله إليه أقرب .",
            "يقول العز بن عبد السلام : « اليأس والقنوط استصغار السعة رحمة الله عز وجل ومغفرته، وذلك ذنب عظيم، وتضييق لفضاء جوده » .",
            "6. إنزال المطر وإحياء الأرض رحمة",
            "جعل الله الماء من علامات رحمته، فبه يحبي الموات، فالأرض الميتة ينزل عليها الماء، فيحييها بإذن الله، فإذا هي جنان تؤتي ثمارها وأكلها، وأيضا آية على إمكانية إحياء الله لموات الإنسان يوم القيامة.",
            "قال تعالى : ﴿ فَانظُرْ إِلَى ءَاثَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ [الروم:٥٠].",
            "فرحمة الله هي الغيث، وأثرها هو النبات، ولو انقطع المطر، لحدثت المجاعات الناتجة"
          ]
        },
        {
          "page_number": 29,
          "content": [
            "عن نقص المياه، ولاندلعت الحرائق الهائلة نتيجة ارتفاع درجات الحرارة المرافقة لانقطاع المطر، ولزادت العواصف الترابية، نتيجة لما تسبب به قلة المطر من جفاف وتصحر وتعرية، ولتدهور الغطاء النباتي الطبيعي، وتراجع قطاع الزراعة.",
            "7. الرحمة الخفية",
            "يقول الدكتور مصطفى مسلم في كتابه : (مباحث في إعجاز القرآن): \"وهذه الشمس تبلغ حرارة سطحها ( ٦٠٠٠) درجة مئوية ، وحرارة جوفها تبلغ (۲۰) مليون درجة مئوية، وألسنة اللهب ترتفع عن سطحها إلى نصف مليون كيلومتر، وهي تبتعد عن الأرض قريبا من (۹۳) مليون ميل ، ولا يصل إلى الأرض من حرارتها إلا شيء قليل لا يتجاوز جزءا من مليون جزء من حرارتها ، وهو القدر الملائم لحياة البشر، ولو كانت أقرب إلى الأرض بقليل لاحترقت الأرض وانصهرت، أو استحالت بخارا يتصاعد إلى الفضاء، ولو كانت أبعد من ذلك لأصاب التجمد ما على سطح الأرض، فمن الذي برحمته جعلها كذلك ؟",
            "والقمر في حجمه وبعده عن الأرض من أظهر ما يدل على رحمة الله، فلو كان أكبر من ذلك بقليل أو أقرب لكان المد الذي يحدث في البحار كافيًا لغمر الأرض بطوفان يعم كل ما عليها » .",
            "وهذا مجرد نموذج واحد لرحمة الله عرفناه، فكيف بما غاب عنا وجهلناه ؟!",
            "8. رحمات يوم القيامة :",
            "قال رسول الله ﷺ : « جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا، وأنزل في الأرض جزءا واحدا، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها، خشية أن تصيبه » (1) .",
            "(1) صحيح : رواه الشيخان عن أبي هريرة كما في صحيح الجامع رقم : ٣٠٩٥ ."
          ]
        },
        {
          "page_number": 30,
          "content": [
            "قال المناوي : \" القصد بذكره ضرب المثل لنا لنعرف به التفاوت بين القسطين في الدارين، لا التقسيم والتجزئة، فإن رحمته غير متناهية، وحصرها في مائة جزء على سبيل التمثيل، وتسهيلاً للفهم، وتقليلاً لما عند الخلق، وتكثيرًا لما عند الله سبحانه وتعالى » .",
            "ولذا كان من جميل رجاء أبي أيوب السختياني وحسن ظنه بربه أن قال : « إن رحمة واحدة قسمها سبحانه في دار الدنيا وأصابني منها الإسلام، إني لأرجو من تسع وتسعين رحمة ما هو أكثر من ذلك » .",
            "وأما مناسبة هذا العدد الخاص، فقال ابن أبي جمرة: « ثبت أن نار الآخرة تفضل نار الدنيا بتسعة وستين جزءا، فإذا قويل كل جزء برحمة زادت الرحمات ثلاثين جزءا، فالرحمة في الآخرة أكثر من النقمة فيها، ويؤيده قوله تعالى في الحديث القدسي : غلبت رحمتي غضبي » .",
            "وما أروع تأمل الزركشي في كتاب الله ، حين قال : « أذهلني يوما قوله تعالى : ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ ﴾ .",
            "فقلت : يا لطيف ! علمت أن قلوب أوليائك الذين تتراءى لهم تلك الأهوال لا تتمالك؛ فلطفت بهم فأضفت الْمُلْكُ إلى أعم اسم في الرحمة فقلت : ﴿ وَالرَّحْمَنِ ﴾ ! ولو كان بدله اسما آخر كالعزيز والجبار؛ لتفطرت القلوب » .",
            "الكاذب حين يرجو رحمة الله",
            "قال أبو عمرو بن العلاء : \" بلغني أن الفرزدق جلس إلى قوم يتذاكرون رحمة الله، فكان أوسعهم في الرجاء صدرا، فقيل له : لم تقذف المحصنات ؟! فقال : لو أذنبت إلى ولدي ما أذنبته إلى ربي عز وجل، أتراهما كانا يطيبان نفسا أن يقذفاني في تنور مملؤا جمرا ؟ !"
          ]
        },
        {
          "page_number": 31,
          "content": [
            "قالوا : لا ، إنما كانا يرحمانك.",
            "قال : فأني أوثق برحمة ربي منهما .",
            "قال ابن الجوزي في ما قال ردا عليه : « وهذا هو الجهل المحض؛ لأن رحمة الله عز وجل ليست برقة طبع، ولو كانت كذلك لما ذبح عصفورا ، ولا أميت طفل، ولا أُدخل أحد إلى جهنم.",
            "وخطأ هذا الرجل من وجهين :",
            "أحدهما : أنه نظر إلى جانب رحمة الله ولم ينظر إلى جانب العقاب.",
            "والثاني : أنه نسي أن الرحمة إنما تكون التائب كما قال : ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارُ لِمَن تَابَ ﴾ وقال : ﴿ وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ ، وهذا التلبيس هو الذي أهلك عامة العوام » .",
            "الاسم الثاني : اسم الله الحكيم",
            "هو الحكيم سبحانه، له الحكمة البالغة، وحكمته أوضح ما تكون في ثلاث : خلقه، وأمره، وشرعه ، فلا يخلق خلقا إلا لحكمة، ولا يأمر أمرا إلا لحكمة، ولا يشرع شرعا إلا بما فيه المصلحة والحكمة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها .",
            "ولو فهمنا معنى اسم الله الحكيم ، لرأينا في كل شيء حولنا حكمة ، وحتى أذية الخلق لنا التي تتألم منها وتتعجب، لا تخلو من حكمة، تأمل فيها ابن عطاء ، ثم استخرج لنا بعض قطوفها فقال: « إنما أجرى الأذى على أيديهم، كي لا تكون ساكنا إليهم، أراد أن يُرْعِجَك عن كل شيء حتى لا يشغلك عنه شيء » .",
            "وقال في تأمل الحكمة من فراق الأحباب بالموت أو غيره : « إنما ابتلي الخلق بالفراق؛ لئلا يكون لأحد سكون مع غير الله تعالى » ."
          ]
        },
        {
          "page_number": 32,
          "content": [
            "ولو تأملت في الأحداث اليومية الجارية، وأبرزها الرزق، لرأيت الله حكمة بالغة في كل بسط رزق وقبضه، فيُوسع الرزق امتحانا للعبد؛ هل يشكر أم يكفر.",
            "ويضيق ابتلاءا للعبد؛ هل يصبر أم يسخط.",
            "والغنى والفقر لم يدلا يوما على رضا الله أو سخطه، وإنما الشكر والصبر هما علامة الرضا الإلهي.",
            "ومع هذا فلابد أن نشير إلى أن معرفة الناس بحكمة ( الحكيم ) محدودة، وقد تغيب عنهم حكمته مهما بلغوا من درجات القرب منه، ومهما كانت درجة إيمانهم، والدليل : أن الملائكة مع شدة قربهم من الله وعلمهم بجلاله وقدرته، لم يعلموا حكمته سبحانه في خلق من يفسد في الأرض، فقالوا : ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ﴾ ، والبشر أولى أن لا يعلموا كثيرا من حكمة الله .",
            "وكذلك موسى - وهو من أولي العزم من الرسل - لم يفهم حكمة الله في قتل الغلام ولا خرق السفينة، ولا صنع المعروف في غير أهله .",
            "إن الرضا والتسليم للحكمة الإلهية في مُرّ القضاء من أشرف الأحوال، وهو أشق على النفس من شديد الأهوال؛ لأن الإنسان بطبيعته البشرية ينظر إلى الحال، وحكمة الله تدور مع العاقبة والمآل : ﴿ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ﴾ ..",
            "إن علم الإنسان محدود وعقله قاصر عن الإحاطة بكافة تفاصيل الحكمة الربانية، لذا قال ابن الجوزي في رائعة من روائع كتابه (صيد الخاطر): \" يرى ( العبد) من أفعاله ( الله ) ما يدل على وجوده، ثم تجري في أقداره أمور، لولا ثبوت الدليل على وجوده، لأوجبت جحوده؛ فإنه فرق البحر لبني إسرائيل - وذلك شيء لا يقدر عليه سوى الخالق - وصيّر العصا حيَّةً، ثم أعادها عصا، فلما آمنت السحرة، تركهم مع فرعون يصلبهم ولم ينقذهم.",
            "والأنبياء يُبتلون بالجوع والقتل."
          ]
        },
        {
          "page_number": 33,
          "content": [
            "وزكريا ينشر.",
            "ويحيى تقتله غانية .",
            "ونبينا يقول كل عام: « من يؤويني ؟ من ينصرني » .",
            "فيكاد الجاهل بوجود الخالق يقول : لو كان ( الله ) موجودًا، لنصر أولياءه !",
            "فينبغي للعاقل ألا يمكن عقله من الاعتراض على الله في أفعاله، ولا يطلب لها علة؛ إذ قد ثبت أنه مالك وحكيم، فإذا خفي علينا وجه الحكمة في فعله، نسبنا ذلك العجز إلى فهومنا.",
            "وكيف لا ، وقد عجز موسى أن يعرف حكمة خرق السفينة، وقتل الغلام ، فلما بان له حكمة ذلك الفساد في الظاهر؛ أقر؟!",
            "فمتى رأيت العقل يقول : لم ؟ فأخرسه بأن تقول له : يا عاجز أنت لا تعرف حقيقة نفسك، فما لك والاعتراض على المالك؟!",
            "وربما قال العقل : أي فائدة في الابتلاء، وهو ( الله ) قادر أن يثيب، ولا بلاء ؟! وأي غرض في تعذيب أهل النار، وليس ذلك عن تشفُّ ؟!",
            "فقل له : حكمة الله فوق مرتبتك، فسلم لما لا تعلم؛ فإن أول من اعترض بعقله إبليس، رأى فضل النار على الطين، فأعرض عن السجود.",
            "وقد رأينا خلقا كثيرًا يقدحون في الحكمة؛ لأنهم يحكمون العقول على مقتضاها، وينسون أن حكمة الخالق وراء العقول.",
            "فإياك أن تُفسح لعقلك في تعليل ، أو أن تطلب له جواب اعتراض ، وقل له : سلم تسلم، فإنك لا تدري غَوْر البحر، إلا وقد أدركك الغرق قبل ذلك، هذا أصل عظيم، متى فات الآدمي، أخرجه الاعتراض إلى الكفر » .",
            "وواجب العبد تجاه اسم الله (الحكيم) أن يطمئنَّ إلى كل أمر أمر به (الحكيم)، وينتهي عن كل ما نهى عنه، فلا يُقدم العبد على شرع ربه قولاً، ولا عقلاً، ولا حكمًا ، ولا رأيا ."
          ]
        },
        {
          "page_number": 34,
          "content": [
            "الاسم الثالث : اسم الله العظيم :",
            "قال الحليمي في معنى (العظيم): «إنه الذي لا يمكن الامتناع عليه بالإطلاق ، ولأن عظيم القوم إنما يكون مالك أمورهم الذي لا يقدرون على مقاومته ومخالفة أمره ، إلا أنه وإن كان كذلك ، فقد يلحقه العجز بآفات تدخل عليه في ما بيده ، فيوهنه ويضعفه حتى يستطاع مقاومته ، بل قهره وإبطاله ، والله تعالى جل ثناؤه قادر لا يعجزه شيء، ولا يُمكن أن يُعصي كرها ، أو يُخالف أمره قهرًا ، فهو العظيم إذا حقا وصدقا ، وكان هذا الاسم لمن دونه مجازا » .",
            "والعظمة الربانية يذكّرك الله بها كل صلاة عن طريق :",
            "1 - التكبير",
            "وهو الشعار المتكرر عشرات المرات في كل يوم وليلة في الأذان والصلوات، والكبرياء أكمل من العظمة ؛ لأنه يتضمنها ويزيد عليها في المعنى، وفي التكبير يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : « وفي قوله (الله أكبر) إثبات عظمته ، فإن الكبرياء تتضمن العظمة ، ولكن الكبرياء أكمل، ولهذا جاءت الألفاظ المشروعة في الصلاة والأذان بقول : (الله أكبر) ، فإن ذلك أكمل من قول ( الله أعظم) ، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال : ( يقول الله تعالى : الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما عذَّبْتُه ) ، فجعل العظمة كالإزار والكبرياء كالرداء، ومعلوم أن الرداء أشرف، فلما كان التكبير أبلغ من التعظيم صرح بلفظه، وتضمن ذلك التعظيم » .",
            "أخي الكريم.. يلاحقك التكبير من المهد إلى اللحد، فأين علامات التعظيم في قلبك وعملك يا رجل ؟! أين امتثال أمر الله واجتناب نهيه والمسارعة في إرضائه ؟!"
          ]
        },
        {
          "page_number": 35,
          "content": [
            "إن التكبير التزام ذاتي يجعله العبد على نفسه تجاه ربه ، ولذا ما كان عمر بن الخطاب مبالغا حين قال في فضل التكبير: « قول العبد : الله أكبر، خير من الدنيا وما فيها » .",
            "ومن دقيق الملاحظة أن أول ما يطرق أذن الوليد : تكبير الأذان في أذنه اليمنى، وتكبير الإقامة في أذنه اليسرى، وعند موته نكبر جميعا للصلاة عليه، فهل وصلت الرسالة ؟!",
            "2 - الركوع",
            "وفيه يظهر التعظيم خاصة عند قولك : سبحان ربي العظيم.",
            "قال ابن القيم: « فأفضل ما يقول الراكع على الإطالة سبحان العظيم، فإن الله أمر العباد بذلك، وعين المبلغ عنه : السفير بينه وبين عباده هذا المحل لهذا الذكر، لما نزلت : ﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴾ ، قال : (اجعلوها في ركوعكم) ، وبالجملة فسر الركوع : تعظيم الرب جل جلاله بالقلب والقالب والقول؛ ولهذا قال النبي ﷺ: ( أما الركوع فعظموا فيه الرب ) » .",
            "لكن .. ماذا عن أدعية الركوع، وعلاقتها بالتعظيم ؟!",
            "من أدعية الركوع التي تغرس العظمة في جذر القلب: سبوح قدوس رب الملائكة والروح » .",
            "فقولك « رب الملائكة والروح » يساعدك على تعظيم الرب عن طريق التأمل في عظمة خلقه، وليس أعظم من خلق الملائكة ؟! والروح هو جبريل ، ويكفيك قراءة هذا الحديث لتعلم العظمة الربانية في خلق ملك واحد من الملائكة ، قال رسول ﷺ : « أذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش، رجلاه في الأرض السفلى، وعلى قرنه"
          ]
        },
        {
          "page_number": 36,
          "content": [
            "العرش، وبين شحمة أذنه وعاتقه : خفقان الطير سبعمائة عام » (1).",
            "وكأن المعنى : كيف لا تخضع له وأنت العبد الضعيف ؟! وقد خضع له من هو أعظم منك خلقا حتى ازدحمت بهم السماوات، فما من موضع قدم في السماء إلا وملك واضع جبهته ساجد الله .",
            "لقد رأى النبي ﷺ جبريل في هيئته الملائكية مرتين، فإذا هو قد سد الأفق، فسقط النبي ﷺ مغشيا عليه . قال رسول الله ﷺ : « رأيت جبريل في صورته التي خلق فيها مرتين وله ستمائة جناح، وقد سد الأفق بعظمته » .",
            "ورغم هذه العظمة الملائكية، فقد رأى النبي ﷺ جبريل ليلة أسري به في أخشع حال، فرآه كالحلس البالي من خشية الله ، يعني كالكساء الذي يُلقى على ظهر البعير.",
            "إن التأمل في خلق الله من أعظم ما يفجر ينابيع تعظيم الرب في قلب العبد.",
            "قال ابن مسعود : \" بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كل سماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم » .",
            "وفي الحديث الصحيح: « ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة » (٢).",
            "فإذا استحضر المسلم في قلبه عظمة المخلوقات من سموات وأرض وكرسي وعرش، ثم أحضر في قلبه عجز عقله عن الإحاطة بهذه المخلوقات، حصل له معرفة ثالثة من ذلك، وهي عظمة الخالق سبحانه.",
            "إن العقول والأفهام لتعجز عن أن تدرك الكثير عن مخلوقات الرب تبارك وتعالى، فكيف بالرب سبحانه ؟!",
            "(1) صحيح : رواه الطبراني في الأوسط عن أنس كما في صحيح الجامع رقم : ٨٥٣.",
            "(2) صحيح رواه محمد بن أبي شيبة في كتاب العرش كما في السلسلة الصحيحة رقم: ١٠٩."
          ]
        },
        {
          "page_number": 37,
          "content": [
            "ولذا قال ابن الجوزي : « من تفكر في عظمة الله عز وجل، طاش عقله » .",
            "ولابد لمعرفة عظمة الله من ثمرة، ولابد مع التعظيم من دليل، وثمرة تعظيم الله : البعد عن معصية الله واجتناب نواهيه.",
            "قال بشر بن الحارث الحافي: « لو تفكر الناس في عظمة الله ما عصوا الله عز وجل » .",
            "الاسم الرابع : اسم الله العليم",
            "أثبت الله لنفسه العلم الكامل الشامل في قوله تعالى : ﴿ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ [الأنعام: ٨٠].",
            "وفعل ﴿ وَسِعَ ﴾ يفيد الإحاطة التامة؛ ولفظ ﴿ كُلَّ ﴾ يفيد العموم، ومهما تقدَّمنا، فلن تحيط عقولنا المحدودة بعلم الله غير المحدود، وبين يديك هنا محاولة للتعرف على بعض جوانب العلم الإلهي.",
            "1. العلم اللانهائي :",
            "قال تعالى : ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامُ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ .",
            "أي لو كانت أشجار الأرض كلها أقلاما، ومع البحر سبعة أبحــــر مـا كان لينقد علم الله، فكلمات الله هي معلوماته، وعلم الله لا يتناهى، فكذلك الكلمات التي تشكل معلوماته لا تتناهى.",
            "ومعلوم أنه كلما زاد العلم زادت القدرة، لذا رأينا جني سليمان الذي كان عنده (علم) من الكتاب ، استطاع أن"
          ]
        },
        {
          "page_number": 38,
          "content": [
            "ينقل عرش بلقيس في لمح البصر من اليمن إلى العراق، وما كان هذا الجني غير جندي واحد تحت نبي الله سليمان، فما بالك بعلم الله وقدرة الله رب العالمين ؟!",
            "ورغم أننا اليوم نعيش حالة انفجار معرفي هائل، ومخزون المعرفة الإنسانية يتضاعف بصورة مذهلة، لكن مع كل هذا العلم الهائل المتزايد، فقد قرر الله في كتابه هذه الحقيقة الباقية إلى يوم الدين: ﴿ وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ .",
            "ما أثر علمك بمحدودية علمك ؟!",
            "أثرها : تواضع بعلمك، واحذر أن تكون بعلمك ( أبا شبر)، فقد قال الإمام الشعبي : « العلم ثلاثة أشبار: فمن نال شبرا منه شمخ بأنفه، وظن أنه ناله. ومن نال منه الشبر الثاني، صغرت إليه نفسه، وعلم أن لم ينله . وأما الشهر الثالث، فهيهات لا يناله أحد أبدا » .",
            "2. الشمول الزماني :",
            "فالله تعالى يعلم ما كان، وما يكون ، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، ويستوي في علمه الماضي والحاضر والمستقبل .. لذا يقول الله سبحانه وتعالى يوم القيامة ما يكشف عن دقة علمه : ﴿ هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .",
            "وحقيقة النسخ أن تنقل من كتاب يُنظر فيه ، فإن أعمال العباد من أقوال وأفعال ونيات تكتبها الملائكة وتقيدها ، ولو تم مقارنة الأعمال التي سجلتها الملائكة على ابن آدم مع ما في اللوح المحفوظ لوجدت متطابقة تماما وكأنها مستنسخة منها !",
            "3. الشمول الغيبي :",
            "عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال : « مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله ، لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما"
          ]
        },
        {
          "page_number": 39,
          "content": [
            "في غد إلا الله ، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله ، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله » (1).",
            "وهي التي جاء ذكرها في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ ..",
            "ولا يُفهم من الآية أن الغيب محصور في هذه الأمور الخمسة، بل هي بعض أوجه الغيب الخفية، ويوجد غيرها الكثير.",
            "وأثر هذا العلم عليك:",
            "أن يستقر في يقينك : ألا أحد يعلم الغيب إلا الله ، وبطلان كل علم يدعي صاحبه معرفة الغيب كالتنجيم والكهانة.",
            "قال النبي ﷺ : « من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد » (٢).",
            "وقال: « من أتى عرافا ، فسأله عن شيء ، لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة » (٣).",
            "والعراف : الذي يتعاطى معرفة الشيء المسروق، ويخبر بمكان ما أُخفي من الأمتعة، وهو مختص بالأمور الماضية، وأما الكاهن، فيتعاطى علم ما يكون في المستقبل.",
            "وجاء الوعيد لمن أتى الكهنة والعرافين بعدم قبول صلاته، أي لا ثواب له فيها، وإن كانت مجزئة في سقوط الفرض عنه، ولا يحتاج معها إلى إعادة.",
            "(1) صحيح : رواه البخاري في صحيحه رقم : ٤٦٩٧.",
            "(2) صحيح : رواه أحمد والحاكم عن أبي هريرة كما في صحيح الجامع رقم : ٥٩٣٩.",
            "(3) صحيح : رواه أحمد ومسلم عن بعض أمهات المؤمنين كما في صحيح الجامع رقم : ٥٩٤٠ ."
          ]
        },
        {
          "page_number": 40,
          "content": [
            "4. الشمول المكاني :",
            "فيشمل علم الله الأماكن كلها ، فلا تسقط ورقة في مكان إلا بعلمه، ولا تتحرك ذرة إلا بإذنه، يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء تحت طبقات الأرض في الليلة الظلماء، ويرى تفاصيل خلقها ومخها وعروقها وحركتها، ويرى مد البعوضة لجناحها في ظلمة الليل البهيم.",
            "وقد أخبرنا القرآن أن سليمان سمع نملة تنادي قومها، ولم يخف عليه صوتها، فإذا كان عبد من عباد الله يسمع صوت النملة، فكيف بالله رب العالمين ؟!",
            "وأثر هذا عليك:",
            "أن الله يسمع دعوة المظلوم، ويرى دمعة المكلوم، ويشهد بطش الظالم، ويراقب علو المجرم، ولا يخفى عليه شيء من هذا، وليس معنى أنه علمه أنه رضيه، لكن معنى علمه أنك لست وحدك، وأن علمه بحالك ينطوي على حكمة ورحمة ولطف.",
            "5. الشمول النفسي :",
            "يعلم الله دبيب الخواطر في القلوب التي لا يطلع عليها حتى الملك، ويعلم تقلب قلب عبده، واختلاف أحواله، ويعلم السر وأخفى من السر، فالسر ما انطوى عليه ضمير العبد ولم تتحرك به شفتاه، والأخفى من السر: ما لم يخطر بباله بعد، فيعلم الله أنه سيخطر بقلبه كذا وكذا في وقت كذا وكذا.",
            "وأثر هذا عليك:",
            "أن يترسخ جذر شجرة الإخلاص في قلبك، وينفي عنك داء الرياء، الذي هو في غاية الخفاء، وقد جاء في الحديث : « الشَّرك فيكم أخفى من دبيب النمل، وسأدلك على شيء إذا فعلته أذهب عنك صغار الشرك وكباره، تقول : اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم، تقولها ثلاث مرات » (1).",
            "(1) صحيح : رواه الحكيم عن أبي بكر كما في صحيح الجامع رقم : ٣٧٣١ ."
          ]
        },
        {
          "page_number": 41,
          "content": [
            "بعض آثار إيمانك باسم الله العليم:",
            "- هل يخفى على الله معاصيك ؟! فيورثك ذلك مراقبة الله وتقواه في خلوتك .",
            "- هل يخفى على الله مآسيك ؟! فيورثك علم الله بحالك الثقة برعايته ولطفه .",
            "- هل يخفى على الله مكر أعدائك ؟! فيورثك علم الله المحيط بهم مع حذرك منهم: طمأنة قلبك وتقوية ضعفك في مواجهة خصمك ، ويمنحك قوة نفسية هائلة تتجاوز بك محطات الفشل وتفتح آفاق العمل، لذا خاطب الله نبيه : ﴿ فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ .",
            "- هل يخفى على الله شيء مما ينفعك وما يضرك ؟! فيورثك هذا العلم الرضا بقضائه .",
            "يقول عبد القادر الجيلاني : \" وافقوه وارضوا بأفعاله فيكم وفي غيركم. ولا تتعالموا على من هو أعلم منكم. فكيف إذا لم تعلموا في الأصل شيئا : ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ ؟! » .",
            "وقال أبو حامد الغزالي في صفة من آمن باسم الله (العليم): \" يصدق تصديقا يقينيا لا ضعف فيه ولا ريب أن الله عز وجل لو خلق الخلق كلهم على عقل أعقلهم وعلم أعلمهم ، وخلق لهم من العلم ما تحتمله نفوسهم، وأفاض عليهم من الحكمة ما لا منتهى لوصفها ، ثم زاد مثل عدد جميعهم علما وحكمة وعقلاً ، ثم كشف لهم عن عواقب الأمور، وأطلعهم على أسرار الملكوت، وعرفهم دقائق اللطف، وخفايا العقوبات حتى اطلعوا به على الخير والشر والنفع والضر، ثم أمرهم أن يدبروا الملك والملكوت بما أعطوا من العلوم والحكم، لما اقتضى تدبير جميعهم - مع تظاهرهم عليه - أن يزاد فيما دبر الله سبحانه الخلق به في الدنيا والآخرة جناح بعوضة !",
            "ولا أن ينقص منها جناح بعوضة !",
            "ولا أن يُرفع منها ذرة ."
          ]
        },
        {
          "page_number": 42,
          "content": [
            "ولا أن يُخفض منها ذرة .",
            "ولا أن يدفع مرض أو عيب أو نقص أو فقر أو ضر عمن بلي به .",
            "ولا أن يزال صحة أو كمال أو غنى أو نفع عمن أنعم الله به عليه ، بل كل ما خلقه الله تعالى من السموات والأرض إن رجعوا فيه البصر، وطولوا فيه النظر، ما رأوا فيها من تفاوت ولا فطور.",
            "وكل ما قسم الله تعالى بين عباده من رزق وأجل ، وسرور و. وحزن، وعجز وقدرة، وإيمان وكفر، وطاعة ومعصية ، فكله على الترتيب الواجب الحق على ما ينبغي، وكما ينبغي، بالقدر الذي ينبغي ، وليس في الإمكان أصلاً أحسن منه، ولا أتم، ولا أكمل » .",
            "الاسم الخامس : اسم الله القدير",
            "القدير هو تام القدرة، والذي لا يلابس قدرته عجز بوجه من الوجوه، ومن كمال قدرته : تدبيره أمر الخلق دون أن يلحقه إعياء أو تعب ، فإذا أراد شيئًا قال له : كن فيكون.",
            "إن الله لا يحتاج إلى أسباب لإنفاذ أمره، إنما يقول: « كن » ، فينقاد له كل شيء، وهو قادر سبحانه على أن يجعل من السبب عدما، وأن يخلق من العدم سببًا، فليس للسبب عند الله قيمة ، وحتى كلمة (كن)، لا يتوقف إنفاذ أمر الله عليها، لكن لما كانت أقصر كلمة في قاموس البشر، فقد خاطبنا الله بما نفهم، وكل أمر أراده الله موجود منذ الأزل، فأمر: (كُنْ) ليس لإيجاده من العدم، بل لإظهاره إلى عالم الواقع."
          ]
        },
        {
          "page_number": 43,
          "content": [
            "وقدرة الله فوق الأسباب، فقد خلق الله سبحانه وتعالى حواء بلا أم، وخلق عيسى بلا أم ، وخلق آدم بلا أب ولا أم، ورزق زكريا بالولد مع كبر سنه وعقم زوجته، فليس هناك مستحيل على قدرة الله، وليس هناك أمام قدرة الله صعب ولا سهل، ولا قريب ولا بعيد.",
            "وانظر كيف عرض القرآن لعظمة قدرة الله بصورة غير مباشرة لمن تدبر وتأمل، فقد قال الذي عنده علم من الكتاب السليمان : ﴿ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ﴾ .",
            "يأتي بعرش ملكة سبأ من اليمن إلى الشام قبل أن يطرف جفن سليمان ! وهـي قـدرة مخلوق ، فكيف بقدرة خالق الخلق وملك الملوك ؟ ! والله لا تتناهى مقدوراته.",
            "ومن قدرته : إحياء الموتى، ولقد قص الله علينا في سورة البقرة وحدها خمس حوادث تتضمن إحياء الموتى في الدنيا، وهي دلائل على إمكانية البعث يوم القيامة لمن طلب الدليل، وما أهون البعث على الله .",
            "القصة الأولى : قصة السبعين الذين اختارهم موسى للقاء الله ، فلما سمعوا كلام الله مع موسى، طلبوا رؤية الله، قائلين : ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ [البقرة : ٥٥] فعاقبهم الله، فأخذتهم الصاعقة، فماتوا، فتضرع موسى إلى ربه : يا إلهي .. اخترت من بني إسرائيل سبعين رجلاً ليكونوا شهودي على قبول توبتهم، وماذا أقول لهم إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم ؟! فلم يزل يناشد ربه حتى أحياهم الله من موتهم.",
            "القصة الثانية : قتيل من بني إسرائيل، قتله ابن عم له، فاتهموا به قبيلة أخرى وخاصموهم فيه، فأمرهم موسى بوحي من الله تعالى أن يذبحوا بقرة، ويضربوا القتيل بجزء منها، ففعلوا بعد التعنت، فلما ضربوه ببعضها أحياه الله تعالى وأخبر عن قاتله، وهذا من عظيم القدرة الإلهية ! يضربون ( ميتا) بجزء من بهيمة ( ميتة ) ، فتنبعث فيه الحياة، وفي هذا إشارة إلى أن قدرة الله فوق الأسباب، وأن الله لو أراد شيئا يأتي به من أبعد نقطة تتصورها العقول."
          ]
        },
        {
          "page_number": 44,
          "content": [
            "القصة الثالثة : قوم نزل في ديارهم وباء فخرجوا من ديارهم وهم ألوف حذرا من الموت، فأراهم الله تعالى ألا فائدة في الفرار من الموت، فأماتهم ليعلموا نفوذ قدرته، ثم أحياهم ليستكملوا آجالهم، فقال ﷺ : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفُ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ﴾ [البقرة : ٢٤٣].",
            "القصة الرابعة: وهي قصة تفيض بملامح قدرة الله : مر رجل على قرية وهي خاوية على عروشها، فاستبعد أن تعود على ما كانت عليه من الحياة، فأماته الله مائة عام ، وكان معه حماره يحمل طعامه وشرابه ، فمات الحمار وتحلل جثمانه ، وبقي الطعام والشراب لم يتغيرا في طعم ولا لون ولا رائحة خلال مائة عام ، ثم بعثه الله .",
            "وهنا خمس معجزات تعرض قدرة الله :",
            "- الأولى : أن الله أمات عزيرا مائة عام ليتحلل جسده بالكلية، ثُمَّ بَعَثَه بعد الموت في سابقة لا تحدث إلا يوم القيامة.",
            "- الثانية : أن الله لم يُشعره بطول الزمان، فمرت عليه مائة عام كأنها يوم أو بعض يوم، فجعل الله عشرات السنوات كأنها ساعات.",
            "- الثالثة : حفظ الله للطعام عشرات الأعوام دون تغير، والطعام عظيم المسارعة إلى الفساد.",
            "- الرابعة : قدرة الله جعلت الزمن يحدث أثره على الأبدان ، ومنعت تأثيره على الطعام، فالسبب واحد، لكن تأثير الأسباب ليست بذاتها، بل بإذن ربها .",
            "- الخامسة : إعادة خلق حماره بعد تحلله.",
            "القصة الخامسة : سأل إبراهيم الخليل ربه أن يُريه كيف يُحيي الموتى، فأمره الله تعالى أن يأخذ أربعة من الطير فيقطعهن أجزاء فيفرقها على الجبال التي حوله، على كل جبل جزء من هذه الطيور،"
          ]
        },
        {
          "page_number": 45,
          "content": [
            "ثم يناديهن ، وحينئذ تلتئم هذه الأجزاء الممزقة المفرقة في الجبال، ويأتين إلى إبراهيم مشيا لا طيرانا ، وقد كان.",
            "فسأل إبراهيم ربه أن يرقيه من علم اليقين إلى عين اليقين، وهي أعلى وأكمل ، فأجابه الله إلى ما سأل.",
            "وقفات مع بعض آيات القدرة !",
            "الآية الأولى : ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .",
            "كرر الله ذكر المشيئة في آية واحدة أربع مرات ، ثم ختم الآية بذكر قدرته المطلقة ، لينزع أوهام القوة الزائفة من عقول الخلق ، فلا يقدر أحد منهم على شيء أصلا إلا بما حوله الله من قدرة، فقدرة العباد وهم، وإنما القدرة كلها لله، ولا يقدر على إيتاء الملك أو نزعه إلا الله ، فلا أحد يملك قوة رغما عن ربه، حتى أقوى الجبابرة لا يملك ذرة إلا بإذن الله .",
            "وفي الجمع بين قوله : ﴿ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾ و ﴿ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ إشارتان مهمتان :",
            "الأولى : أن كل قضاء الله خير، فلا يُنسب الشر المطلق إلى الله ، فإن الله لا يفعل إلا خيرا ، ولذا قال الزمخشري: \" إن كل أفعال الله تعالى من نافع وضار صادر عن الحكمة والمصلحة، فهو خير كله كإيتاء الملك ونزعه » .",
            "الثانية : كل ما في هذا الوجود من أسباب وأشياء ومخلوقات لا تخرج عن قدرة الله وإرادته، مهما ظن الناس غير ذلك .",
            "ثم دلّل الله على قدرته بأحد نواميس الكون التي يراها الناس بأعينهم كل يوم، فقال: ﴿ تُولِجُ الَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي الَّيْلِ ﴾ ."
          ]
        },
        {
          "page_number": 46,
          "content": [
            "الآية الثانية: ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ :",
            "الخلق كلهم من جملة أملاك الله، ولذا فهو القادر عليهم جميعا ، فهم مملوكون مقهورون تحت سلطانه، وهو وحده قاهر هذا العالم، يتصرف فيه كيف يشاء : إيجادا وعدما، وإحياء وإماتة، وعقوبة وإثابة، وهو على كل شيء قدير، فلا يُعجزه شيء، ولا يدفع عقابه دافع، ولا يمنع عقابه مانع، فأطيعوه ولا تخالفوه، فهو على كل شيء قدير، والخلق كله تحت قدرته، وبهذا خَوَّفَ الله من عانده، وأطمع من اتقاه وطاوعه.",
            "وجاءت الآية في سياق الحديث عن الذين يفرحون بما أتوا ما يستحقون به العذاب، لبيان أن الله قادر عليهم، وأن عذابا أليما ينتظرهم من مالك السموات والأرض، فكيف يرجو الهرب من كان معذبه هذا القدير الغالب ؟!",
            "إن التذكير الدائم بامتلاك الله لكل شيء، وقدرته على كل شيء، هو خير دواء الأمراض النفوس من قلق وحسد وجشع وظلم.",
            "الآية الثالثة: ﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ :",
            "تعرض هذه الآية لملمح مختلف من ملامح القدرة الإلهية :",
            "إن يمسسك الله بخير فلا مانع له؛ لأنه على كل شيء قدير، واستعمل كلمة المس مع الخير، لأن خير الدنيا يذهب عاجلا، وتمر أوقاته سريعة، ولأن العبد في الدنيا لا ينال كل الخير، إنما يمسه فيها بعض الخير؛ أما الخير الأعظم فمدخر له في الآخرة، ذلك أن خير الدنيا يزول عنك بالتحول إلى غيرك، أو تزول عنه بالموت، بعكس خير الآخرة.",
            "وجاء التعبير عن الضر بالمس : ﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ ﴾ ، للإشارة إلى أن الضر عابر لا يستقر حتى وإن طال، فإن الله قادر على أن يخفف أثره على المؤمنين بنسائم الرضا يودعها في قلوبهم، وقادر على كشف الضر عنهم بالكلية بآثار رحمته ."
          ]
        },
        {
          "page_number": 47,
          "content": [
            "لكن لماذا استعمل الله كلمة (الضر) بدلاً من كلمة ( الشر) مع أنها عكس كلمة (الخير)؟!",
            "قال صاحب المنار: « نكتة المقابلة أن الضر من الله ليس شرا في الحقيقة، بل هو تربية واختبار للعبد يستفيد به من هوا هو أهل للاستفادة أخلاقا وأدبا وعلما وخبرة » .",
            "ونسب الله الضر إليه؛ ليكون هذا أهون على الحبيب وأعذب، فالحبيب لا يعذب حبيبه، وكل ما يفعل المحبوب محبوب، وقد قيل قديما : الحنظلة من كف من تُحِب مُسْتَعْذَبَة !",
            "ثم ختم الله الآية بقوله : ﴿ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ، ليستقر في قلب كل مؤمن أن الله إذا أراد به خيرا، لن يقدر أحد على وجه الأرض من منعه عنه، وأن الله إذا نقلك إلى حال حسنة فهو قادر على أمثالها، ومالك لأضعاف أضعافها.",
            "الآية الرابعة: ﴿ عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ ﴾ :",
            "وملمح آخر للقدرة الإلهية هنا، وهو تقليب القلوب من شدة العداوة إلى شدة المحبة، فالذي يقذف العداوات هو الله، والذي يقذف المحبات في القلوب هو الله، وقد ظهر أثر هذه القدرة الإلهية في تقليب القلوب على كثير من الصحابة .",
            "فضالة بن عمير المشرك الذي امتلأ قلبه حقدًا وبغضا للنبي ﷺ حتى عزم على قتله عام الفتح ، فلما دنا منه وهو يطوف بالبيت وضع رسول الله ﷺ يده على صدره فسكن قلبه، فكان فضالة بعدها يُحدِّث عن هذا اللحظة الفارقة قائلاً: « والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحب إلي منه ! » .",
            "وثمامة بن أثال ما إن نطق بالشهادتين حتى انطلق لسانه مفصحًا عن الثورة التي اجتاحت كيانه كله بإسلامه، ثورة قلبية كشفت عن قدرة ربانية خارقة، أخبر ثمامة بتفاصيلها حين قال : « يا محمد ! والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إلي » ."
          ]
        },
        {
          "page_number": 48,
          "content": [
            "وهند بنت عتبة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت : يا رسول الله .. والله ما كان على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلي من أن يُذِلُّهم الله من أهل خبائك ، ولا أصبح اليوم على ظهر الأرض خباء أحب إلي من أن يعزوا من أهل خبائك » .",
            "عرفنا الله بنقض العزائم، وصرف الهمم!",
            "هذا قول مأثور عن بعض الأعراب، وهو دليل دامغ على قدرة الله سبحانه، ومعناه : أحيانا يعزم العبد على أمر من الأمور، ويظن أن الدنيا لا تستقيم إلا به ، فيجتهد غاية الاجتهاد في تحصيله، ثم فجأة تتغير همته ، ويخور عزمه ، وتتغير رغباته وقناعاته ، فعندها يستقر في قلب العبد أنه ليس إله نفسه ، ولا رب شؤونها ، ولا مغير أحوالها، بل لها رب قدير متصرف فيها، ومتحكم في رغباتها ، يغير أحوالها إن شاء، فيعلم العبد أنه متصرف فيه لا متصرف، واقع تحت تدبير الله ولا يدبرا .",
            "وبالرغم من تكرار هذا مع الخلق جميعا - أي نقض العزائم وتغير الهمم - فإن معرفة الخلق لهذه القدرة الإلهية قليل نادر لشدة قريهم منها، وكثرة تقلبهم فيها، وقد قيل : القرب حجاب، يعني من الممكن ألا نرى الأشياء لأنها قريبة منا جدا، وأمام أعيننا باستمرار، وهذا مثال.",
            "الاسم السادس: الهادي",
            "الهداية .. أكبر نعمة أنعم بها الله على عباده، وكل نعمة غير نعمة الهداية زائلة؛ لذا كان الراسخون في العلم أكثر الناس حرصًا على الدعاء بدوام هذه النعمة وعدم زوالها : ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ﴾ [العمران : ٨].",
            "وهداية الله للعبد أنواع ودرجات ، فالله يهديك أولا هداية علم وبيان ، فتعلم طريق الخير وطريق الشر عن طريق كتبه ورسله، ثم يهديك فيمنحك القدرة على فعل الخير، ثم يهديك الإرادة فعل الخير ومحبته، ثم يهديك ويوفقك لفعله، ثم يهديك للثبات عليه، ثم يهديك"
          ]
        },
        {
          "page_number": 49,
          "content": [
            "لصرف الموانع والشواغل التي تصرف عنه، ثم يهديك لإتقانه والإحسان فيه، ثم يهديك لشهود شدة افتقارك واحتياجك للهداية الربانية.",
            "ويتفاوت الناس في تحصيل هذه الهداية، ما بين مستقل ومستكثر، فكلما سعى العبد للسير في طريق الهداية أعانه الله وأمده، وكلما سار في طريق الذنوب والغواية مد الله له في الضلالة مدا، فالذنوب سبب الحرمان من الهداية، وهذا الحرمان أعظم العقوبات الربانية.",
            "ومن أعظم الذنوب : الظلم ، وكثيرا ما يتساءل الناس : لماذا لا يتوب الظالمون ولا هم يذكرون ؟!",
            "والجواب لأن الظلم من أكبر موانع الهداية، وفي القرآن ست آيات ختمها الله بقوله : ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ ...",
            "وأربع آيات خُتِمَت بقوله : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ .",
            "فعشر آيات في كتاب الله تقرر عقوبة ( حرمان الهداية ) للظالم بسبب ظلمه ، فالله لا يهدي الظالمين للندم والتوبة، بل يذرهم في طغيانهم حتى يأخذهم بعذاب أليم.",
            "ولذا قلما تاب ظالم، أورد المظالم.",
            "وهذا والله من شؤم الظلم، بل هو أشد عقوباته على صاحبه.",
            "قال ابن الجوزي : \" الذنوب تغطّي على القلوب، فإذا أظلمت مرآة القلب لم يبن فيها وجه الهدى » .",
            "وقال ابن تيمية في كلام جميل : « كما أن الإنسان يغمض عينيه ، فلا يرى شيئا وإن لم يكن أعمى؛ فكذلك القلب بما يغشاه من رين الذنوب لا يبصر الحق، وإن لم يكن أعمى كعمى الكافر » .",
            "ولا وجه للمقارنة بين عقوبة الظالم الدنيوية وعقوبة حرمان الهداية، لأن عقوبته"
          ]
        },
        {
          "page_number": 50,
          "content": [
            "الدنيوية تزول بالموت، بينما الحرمان من الهداية هو سبب عقوبته الأخروية، وهي أشد وأدوم، وكلما أخر الله عقوبة العبد إلى الآخرة، كان هذا أدلّ على بُعده عن الله ، وبغض الله له .",
            "قال رسول الله ﷺ : « إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة » (1) .",
            "الاسم السابع : اسم الله الخالق",
            "الخالق هو مبدع الخلق ، المخترع له على غير مثال سابق . قال سبحانه: ﴿ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ ﴾ [فاطر:٣].",
            "ولم ينازع أحد الله في خلق أحد من الخلق ، ولن ينازعه أحد، وهذا من أدلة تفرد الله بالخلق.. لذا لما جاء وفد من اليمن للنبي ﷺ فقالوا : يا رسول الله .. جئناك لنتفقه في الدين، ونسألك عن أول هذا الأمر - يقصدون الخلق - فقال لهم النبي ﷺ : « كان الله ، ولم يك شيء غيره » .",
            "هل فهمت الآن معنى دعاء النبي ﷺ الذي كان يردده كل ليلة إذا أوى إلى فراشه : « اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، منزل التوراة والإنجيل والقرآن، فالق الحب والنوى، أعوذ بك من شر كل شيء أنت أخذ بناصيته ، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عني الدين، وأغنني من الفقر » (٢).",
            "نردد هذا الدعاء عند كل نومة وقبضة روح؛ لنزداد إيمانا بالخالق سبحانه، فهو الأول الذي لم يكن قبله شيء، ولاحظ أنك تستعين بخالق كل شيء ) ليعيذك من شر ( كل شيء ) ، فالذي خلق الأشياء كلها هو وحده القادر على حمايتك من شرها كلها، وليس غير الخالق سبحانه يصلح أن تحتمي به من شر خلقه .",
            "(1) صحيح : رواه الترمذي والحاكم عن أنس كما صحيح الجامع رقم : ۳۰۸.",
            "(2) صحيح : رواه الترمذي وابن ماجة وابن حبان عن أبي هريرة كما في صحيح الجامع رقم : ٤٤٢٤ ."
          ]
        },
        {
          "page_number": 51,
          "content": [
            "تحد قائم إلى يوم القيامة !",
            "لقد تحدى الخالق سبحانه الخلق أجمعين بأهون شيء في نظرهم : أن يخلقوا ذبابة ، وهو تحد إلهي باق إلى يوم القيامة ، فقال سبحانه : ﴿ يَتَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ﴾ .",
            "حكم الله منذ ألف وأربعمائة عام بأن أي قوة علمية وأي مجموعة بحثية - ولو اجتمعوا - لن تستطيع خلق ذبابة واحدة ، ثم ترقى مستوى التحدي إلى ما هو أعلى من ذلك، فانتقل من تحدي خلق الذبابة إلى تحدي الإتيان بما تسلبه الذبابة : ﴿ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ﴾ .",
            "إذا وقع الذباب على طعامك ، فتناول منه شيئا ثم طار، هل تستطيع أن تسترد مما سلب شيئا مهما أوتيت من قوة أو علم ؟!",
            "قال القرطبي : « وخص الذباب لأربعة أمور تخصه : المهانته ، وضعفه، ولاستقذاره، وكثرته ، فإذا كان هذا الذي هو أضعف الحيوان وأحقره ، لا يقدر من عبدوه من دون الله - تعالى - على خلق مثله ، ودفع أذيته ، فكيف يجوز أن يكونوا آلهة معبودين، وأربابا مطاعين » .",
            "ومن العجيب أن الأبحاث العلمية الحديثة أثبتت أن الذباب يفرز سوائل هاضمة على جزيئات طعامه ، فيهضمه في مكانه قبل أن يمتصه بخرطومه ، فلا يمتصه إلا متحولا؛ فمتى سلب الذباب شيئًا وامتصه ، تعجز كل وسائل العلم وأجهزته عن استنقاذه منه ؛ لأنه تحول إلى هيئة أخرى، حتى وإن قام العلماء باستخراج ما في بطن الذبابة ، فلن يكون نفس الطعام الذي سلبته ؛ وهذا قمة التحدي والإعجاز."
          ]
        },
        {
          "page_number": 52,
          "content": [
            "ما أثر إيمانك بالخالق ؟!",
            "طاعة الأمر فورا :",
            "لأن الله وحده بدأ الخلق ، فهو وحده الذي يملك سلطة الأمر: ﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾ [الأعراف : ١٥٤ ] .",
            "ولاحظ أن الله بدأ الآية بقوله : ﴿ أَلَا ﴾ ليستجلب اهتمام الغافل ويلفت انتباهه إلى اختصاص الله تعالى بالخلق والأمر معًا ، وقد جمعت واو العطف بين الخلق والأمر، فلا يفترقان، وقرنتهما سويا فلا ينفكان.",
            "فكما لم يخلق غيره ، فلا يأمر غيره، وهو المطاع الذي يستحق وحده الطاعة المطلقة دون أدنى مراجعة ، وإذا تعارضت طاعته مع طاعة غيره ، قدمت طاعة الله ، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.",
            "وقد قضى الله أمراء، ألا راحة ولا سعادة ولا هناء إلا في طاعته، وأن شقاء البشرية وتعاستها في مخالفة أمره. قال تعالى: ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ .",
            "فمن خلق الخلق وأتقنه، كيف لا يعلم ما يصلحه وينفعه ؟!",
            "والإنسان صنعة الله، والله أعلم بصنعته، وقوانين البشر تفرض عليك أن تصلح أجهزتك عند توكيل الشركة التي قامت بالصناعة، فما بالك بخالق الخلق ؟!",
            "هل يأمر إلا بما ينفع ويجلب الخير؟!",
            "وهل ينهاك إلا عما يؤذيك ؟!",
            "لذا قال ابن القيم: « وليس في الشريعة أمر يفعل إلا ووجوده للمأمور خير من عدمه، ولا نهي عن فعل إلا وعدمه خير من وجوده » ."
          ]
        },
        {
          "page_number": 53,
          "content": [
            "إن من العبث أن نؤمن بالله خالقا ، ثم لا نرضى به حاكما ! فنتحاكم القوانين بشرية تخالف الشريعة الربانية ، وقانون صيانة الإنسان - كما أراده الله - فيـه بنـود محددة : « افعل » و « لا تفعل » ، فإذا حدث عطب في آلة الإنسان، وجب عرضه على قانون الصانع الأول، وإنما تنشأ المتاعب من تناسي البشر أنهم صنعة الله ، فيطلبون الراحة بعيدا عن منهجه، ويبحثون عن سعادتهم من أمثالهم من البشر، وهي قوانين قاصرة قصور العقل البشري، تخضع للتجربة والخطأ، والتبديل والتطوير، بعكس منهج الله ، الذي لا يقبل أي زيادة أو تعديل ، فليس لنا أن نتدخل فيه، أو نزيد عليه، أو ننتقص منه، فإن فعلنا، فقـد أحدثنا في هذا الكون خرقا وفسادا لا ينصلح إلا بالرجوع إلى القانون الأول : ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا ﴾ .",
            "ومن خرج عن قوانين الخالق ، لابد له من عقوبة ، دنيوية وأخروية، ولهذا فالمؤمن دائما تفسير إيماني للأحداث اليومية غير التفسير المادي، وهذا التفسير الرباني يعيد العباد متى انحرفوا إلى الجادة والصراط المستقيم، واسمعوا حديث رسول الله ﷺ :",
            "« يا معشر المهاجرين.. خصال خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن :",
            "لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يُعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون، والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا.",
            "ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين، وشدة المؤنة، وجور السلطان عليهم.",
            "ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا .",
            "ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوهم من غيرهم، فأخذوا بعض ما كان في أيديهم.",
            "وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله عز وجل، ويتحروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم » (1) .",
            "(1) صحيح رواه ابن ماجة والحاكم عن ابن عمر كما في صحيح الجامع رقم: ۷۹۷۸."
          ]
        }
      ]
    },
    {
      "title": "الاسم الثامن : اسم الله الرب",
      "pages": [
        {
          "page_number": 54,
          "content": [
            "ولاسم الرب ثلاثة معان:",
            "الأول : الرب بمعنى المالك، ومنه قولهم : رب الدار ، أي : صاحب ومالك الدار.",
            "والله هو مالك الملك، ورب العالمين، نصدح بذلك كل يوم في سورة الفاتحة : ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ ، ولا تصح صلاتنا إلا بهذا الإقرار، فقول : ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ يشمل ربوبية الله للعالم بأسره، بما يتضمن تصرفه فيه ، وتدبيره أمره ، ونفاذ قــدره في كل وقت فيه، يخلق ويرزق ؛ ويميت ويحبي ، ويخفض ويرفع ؛ ويعطي ويمنع ؛ ويعز ويذل.",
            "والثاني : الرب بمعنى السيد المطاع: ومنه قول الرسول ﷺ : « أن تلد الأمة ربتها » ، أي سيدها، وكما قال الصديق يوسف عن العزيز: ﴿ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَاى ﴾ .",
            "والمعنى الثالث للرب : المربي والمصلح : قال الزجاجي : « هو المصلح للشيء ، تقول : ريبت الشيء أربه ربا وريابة ؛ إذا أصلحته وقمت عليه » .",
            "ومن هذا الإصلاح : تربية الله لأوليائه وعباده بإصلاح قلوبهم وأعمالهم وأخلاقهم، ولذا كان أكثر دعاء الصالحين بهذا الاسم الجليل (الرب) ؛ فيسألون الله بربوبيته ، وربوبيته تتضمن قدرته على تربيتهم وإصلاح شأنهم.",
            "ولذلك نرى في أدعية أنبياء الله وأوليائه تكرار الدعاء بقولهم: ربنا ، ربنا ، ربنا ، حتى بلغت في القرآن ثلاثا وتسعين دعوة.",
            "ولاختصاص هذا الاسم بالله ، فقد قال رسول الله ﷺ : « لا يقولن أحدكم: عبدي وأمتي، ولا يقولن المملوك: ربي وريتي، وليقل المالك: فتاي وفتاتي، وليقل المملوك: سيدي وسيدتي ؛ فإنكم المملوكون، والرب الله عز وجل » (1).",
            "(1) صحيح أبي داود رقم: ٤٩٧٥."
          ]
        },
        {
          "page_number": 55,
          "content": [
            "والسبب في هذا النهي أن حقيقة الربوبيـة لله تعالى؛ لأن (الرب) هو المالك القائم بالشيء، فلا يكون ذلك حقيقة إلا لله تعالى.",
            "أثر الإيمان باسم الله الرب",
            "1. الرضا",
            "تردد كل يوم بعد كل أذان ( رضيت بالله ربا ) ، وجاء هذا الذكر كذلك في أذكار الصباح والمساء.",
            "تعلن بصيغة الماضي الجازمة رضاك عن الله مربيا ومصلحا، ولهذه التربية الربانية صور وأشكال، فيربي الله عبده بالسراء مرة ليجذبه إليه عن طريق الترغيب ، ويربيه بالضراء على التوكل عليه والالتجاء إليه.",
            "وكل شدة تقابلك ، وكل محنة تنزل بك يصبرك عليها قول ريك : ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ﴾ .",
            "وبما أن ربك شاء ذلك ، فلابد أن في إمضائه حكمة ، وحكمة الله وإن غابت عنك ، إلا أنك تثق في تربية ربك لك، فترضى بقضائه وتدبيره ، فإذا رضيت عنه ، فاعلم أنه قد رضي عنك .",
            "إن الرضا بالقضاء أشق شيء على النفس ، بل هو ذبحها في الحقيقة، لأنه مخالفة طبعها وهواها.",
            "وكل قدر يكرهه العبد، لا يخلو أن يكون عقوبة على ذنب، فهو دواء لمرض، ولولا تدارك الحكيم إياه بالدواء لأوصله المرض إلى الهلاك. أو قد يكون المكروه سببا لنعمة لا تنال إلا بذلك المكروه، فينقطع المكروه ويتلاشى، ويدوم ما ترتب عليه من النعمة ولا ينقطع، فإذا شهد العبد هذين الأمرين انفتحت له بوابات الرضا عن ربه في كل ما يقدره له ."
          ]
        },
        {
          "page_number": 56,
          "content": [
            "وما أجمل قول عبد الله بن المبارك : « إن لم تصلح على تقدير الله عز وجل، لم تصلح على تقديرك لنفسك » .",
            "2. محبة الله",
            "فإن هذه الصفات تورث المحبة في قلب العبد لربه سبحانه ، فإن الرب هو الذي يجلب المنافع، ويدفع المضار، ويصرف جميع أمورك ، فكيف لا تحبه ؟!",
            "3. الإلحاح في الدعاء",
            "البلاء يَسْتَخْرج الدعاء، تجد الرجل لا يذكر الله ، ولا يدعوه، ولا يقوم الليل أو يقرأ القرآن، فإذا نزل به البلاء فعل كل هذا.",
            "وفي تكرار الدعاء بهذا الاسم ( ربنا ) مظنة الإجابة ، فقد قال جعفر الصادق: \" من حزبه أمر فقال خمس مرات : (ربنا ) أنجاه لله مما يخاف وأعطاه ما أراد .",
            "قيل : وكيف ذلك ؟",
            "قال: \" اقرءوا إن شئتم : ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ، وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ ءَامِنُوا بِرَبِّكُمْ فَتَامَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَد تَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴾ » .",
            "وهذا دليل على محبة الله لاسم الرب ، ودليل على فضل الإلحاح على الله في الدعاء بهذا الاسم.",
            "قال الحسن البصري: « ما زالوا يقولون : ربنا ، حتى استجاب لهم » ."
          ]
        },
        {
          "page_number": 57,
          "content": [
            "ولذا كان الإمام مالك بن أنس يقول : « يُعجبني دعاء الأنبياء : ربنا ، ربنا » .",
            "الاسم التاسع : اسم الله المجيب",
            "سبحانه .. يجيب من دعاه، وإجابته للدعاء نوعان:",
            "1. إجابة عامة :",
            "وتشمل دعوة المضطر لقوله تعالى : ﴿ أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ﴾ [النمل: ٦٢] ، ولم يفرق في الآية بين مؤمن وكافر، فمن دعا الله وهو مضطر، استجاب الله له .",
            "ومن الإجابة العامة : إجابة دعوة المظلوم، ولو كان كافرًا أو فاجرا، لقول النبي ﷺ : « دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجرا، ففجوره على نفسه » (1) .",
            "وقوله ﷺ : « اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرا، فإنه ليس دونها حجاب » (٢) .",
            "وهذا دليل كرم المولى سبحانه ، وشمول إحسانه البر والفاجر، ولا يدل على صلاح الداعي الذي أجيبت دعوته.",
            "ويتساءل البعض : هل يجيب الله دعوة الكافر ؟!",
            "أجاب الإمام السمعاني فقال: « فإن قيل : وهل يجوز أن يجيب الله دعوة الكافر؛ حيث أجاب دعوة اللعين (إبليس)؟ قيل : يجوز على طريق الاستدراج والمكر والإملاء ، لا على سبيل الكرامة » .",
            "وهكذا ترى أن إجابة الله لدعاء عباده ليست دائما علامة تكريم ، بل قد تكون استدراجا، أو عقوبة ، وابن القيم يقول : « فليس كل من أجاب الله دعاءه يكون راضيا عنه، ولا محبا له، ولا راضيا بفعله؛ فإنه يجيب البر والفاجر، والمؤمن والكافر » .",
            "(1) حسن : رواه الطيالسي عن أبي هريرة كما في صحيح الجامع رقم : ٣٣٨٢.",
            "(2) حسن رواه أحمد والضياء عن أنس كما في صحيح الجامع رقم: ١١٩."
          ]
        },
        {
          "page_number": 58,
          "content": [
            "ولا يظن ظان أن الأمر إذا كان كذلك ، فلا فارق بين دعاء المؤمن ودعاء الكافر؛ فالفارق بينهما عظيم، ومن أوجهه :",
            "1. أن الدعاء عبادة يثاب عليها المؤمن ؛ سواء أُعْطِي أم لم يُعط ، وثواب الدعاء المؤجل إلى الآخرة أعظم بكثير من إعطاء الداعي ما سأل، وليس هذا للكافر، فدعاؤه غير مقبول ، ولا أجر له فيه.",
            "2. أن المؤمن لا بد أن يجاب في دعائه، وليس ذلك الكافر، لكن إجابة الله تعالى له تكون بما هو أصلح للعبد، والله أعلم بما يصلح له، وحجة ذلك حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ : « ما من مسلم يدعو ليس بإثم ولا بقطيعة رحم إلا أعطاه إحدى ثلاث : إما أن يُعَجِّل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يدفع عنه من السوء مثلها » ، فقال الصحابة : إذا تكثر! قال: « الله أكثر » (1).",
            "وهذا معناه أن المجيب حكيم في إجابته ، قد يعجل بها أو يؤجلها بحسب حال السائل ونوع السؤال ، أو يلطف بعبده فيختار له غير ما دعا به ؛ لأنه الأنسب لحالته، ولأن الإجابة بتحقيق ما دعا به مضرة له، أو تنقص درجته عند ربه، أو قد يدخر الله أجر دعائه بما ينقذه من عذابه عند مرجعه إليه وماله ، لكن الله تعالى - في جميع الأحوال - يجيب عبده، ولا يخيب رجاءه كما وعده.",
            "وليست إجابة الدعاء دائما مستحبة ، فالرجل إذا دعا على أهله أو ولده أو ماله وهو غضبان فاستجيب له؛ كان هذا بلاء وعقوبة، ولذا ورد النهي عن الدعاء على الأهل والمال والولد، فقال رسول الله ﷺ : « لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون » (٢) .",
            "فلا تكن عدو نفسك، وتَدْعُ بما يكون سبب ضررك، واعلم أن المجيب سبحانه قد لا يجيب كثيرا من مسائلك؛ ليصرف عنه شرورًا لا تعلمها والله يعلمها، وما خفي عنك كان أعظم.",
            "(1) صحيح رواه البخاري في الأدب المفرد عن أبي سعيد كما في صحيح الأدب المفرد رقم: ۷۱۰.",
            "(2) صحيح : رواه أحمد ومسلم عن أم سلمة كما في صحيح الجامع رقم: ٧٢٦٦ ."
          ]
        },
        {
          "page_number": 59,
          "content": [
            "2. إجابة خاصة :",
            "وتشمل عباده الصالحين، الذين استجابوا لله ، كما قال ربنا : ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ﴾ [البقرة: ١٨٦].",
            "وقوله : ﴿ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ﴾ أي كما أجبتهم إذا دعوني ، فليستجيبوا لي في ما دعوتهم إليه من الإيمان والطاعات.",
            "أو معناه : أنهم يطلبون إجابة الله سبحانه لدعائهم باستجابتهم لأوامره ، أي بالقيام بما أمرهم به ، وترك ما نهاهم عنه .",
            "والمجيب كريم، ولذا نوع أسباب الإجابة، ومنها : طول السفر ودعوة المريض، ودعوة المظلوم، ودعوة الصائم، ودعوة الوالد على ولده أو له، وفي الأوقات والأحوال الشريفة، مثل أدبار الصلوات المكتوبات، والثلث الأخير من الليل، وبين الأذان والإقامة، وعند الأذان، وعند نزول المطر، وعند التقاء الصفوف في القتال.",
            "لماذا لا يستجيب في الحال ؟!",
            "قال ابن الجوزي : « رأيت من البلاء العجاب أن المؤمن يدعو فلا يجاب، فيكرر الدعاء وتطول المدة، ولا يرى أثرًا للإجابة، فينبغي له أن يعلم أن هذا من البلاء الذي يحتاج إلى الصبر.",
            "وما يعرض للنفس من الوسواس في تأخير الجواب (هو) مرض يحتاج إلى طب.",
            "ولقد عرض لي من هذا الجنس، فإنه نزلت بي نازلة ، فَدَعَوْتُ وبالَغْتُ ، فلم أرَ الإجابة، فأخذ إبليس يجول في حلبات كيده.",
            "فتارة يقول : الكرم واسع والبخل معدوم، فما فائدة تأخير الجواب ؟!",
            "فقلت له : اخسأ يا لعين، فما أحتاج ( مع الله ) إلى تقاضي، ولا أرضاك وكيلا."
          ]
        },
        {
          "page_number": 60,
          "content": [
            "ثم عدت إلى نفسي فقلت : إياك ومساكنة وسوسته، فإنه لو لم يكن في تأخير الإجابة إلا أن يختبرك في محاربة العدو لكفى بذلك حكمة.",
            "قالت : فَسَلِّني عن تأخير الإجابة في مثل هذه النازلة.",
            "فقلت: قد ثبت بالبرهان أن الله عز وجل مالك، وللمالك التصرف بالمنع والعطاء، فلا وجه للاعتراض عليه.",
            "والثاني : أنه قد ثبتت حكمته بالأدلة القاطعة، فربما رأيت الشيء مصلحة، والحق أن الحكمة لا تقتضيه ، وقد يخفي وجه الحكمة فيما يفعله الطبيب، من أشياء تؤذي في الظاهر يقصد بها المصلحة ، فلعل هذا من ذاك.",
            "والثالث : أنه قد يكون التأخير مصلحة، والاستعجال مضرة، وقد قال النبي ﷺ : ( لا يزال العبد في خير ما لم يستعجل ، يقول دعوت فلم يستجب لي ) (1).",
            "والرابع : أنه قد يكون امتناع الإجابة لآفة فيك ، فربما يكون في مأكولك شبهة ، أو قلبك وقت الدعاء في غفلة ، أو تزاد عقوبتك في مَنْعِ حَاجَتِكَ لِذَنْبِ مَا صدقت في التوبة منه ، فابحثي عن بعض هذه الأسباب، لعلك توقنين بالمقصود.",
            "والخامس : أنه ينبغي أن يقع البحث عن مقصودك بهذا المطلوب ، فربما كان في حصوله زيادة إثم، أو تأخير عن مرتبة خير، فكان المنع أصلح .",
            "وقد روي عن بعض السلف أنه كان يسأل الله الغزو، فهتف به هاتف : إنك إن غَزَوْتَ أُسِرْتَ ، وَإِن أُسِرتَ تنصرت.",
            "والسادس : أنه ربما كان فقد ما تفقدينه سببًا للوقوف على الباب واللجأ إلى الله ) ، وربما كان حصوله سببًا للاشتغال به عن المسؤول (سبحانه).",
            "وهذا ( هو ) الظاهر ، بدليل أنه لولا هذه النازلة ، ما رأيناك على باب اللجأ.",
            "(1) صحيح مسلم رقم : ٢٧٣٥."
          ]
        },
        {
          "page_number": 61,
          "content": [
            "فالحق - عز وجل - عليم من الخلق اشتغالهم بالبرعنه ، فلذعهم في خلال النعم بعوارض تدفعهم إلى بابه ، يستغيثون به ، فهذا من النعم في طي البلاء » .",
            "الاسم العاشر : اسم الله المقدم المؤخر",
            "المقدم هو الذي يقدم ما شاء من الخلق والأعمال، فمن استحق التقديم قدمه ، ومن استحق التأخير أخره.",
            "الله هو الذي يقدم ، وكل تقديم غير تقديم الله لا قيمة له، فلا مقدم لما أخر الله، ولا مؤخر لما قدم الله ، وكل تقديم وتأخير رباني إنما يقع لحكمة بالغة.",
            "قال تعالى : ﴿ أَنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ ..",
            "ولم يرد هذا الاسم في القرآن، إنما جاء في الأحاديث، فكان النبي ﷺ يدعو بهذا الدعاء: « اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي ، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي ، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت ، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، وأنت على كل شيء قدير » (1).",
            "والمقدم والمؤخر من الأسماء المزدوجة المتقابلة، والتي لا يطلق واحد منها على الله إلا مقرونا بالآخر، فإن الكمال في اجتماعهما.",
            "أنواع التقديم !",
            "1. تقديم الخلق :",
            "فقد قدم الله بني آدم على كل الخلائق ، وجعلهم خلفاءه في الأرض .",
            "(1) صحيح : رواه مسلم عن علي بن أبي طالب كما في صحيح مسلم رقم : ٢٧١٩."
          ]
        },
        {
          "page_number": 62,
          "content": [
            "قدمك الله على سائر خلقه ، فكيف لا تقدمه على سائر خلقه ؟!",
            "وقدم على الخلق خير الخلق : الأنبياء والمرسلين .",
            "وقدم بعض الأنبياء على بعض، ورفع بعضهم درجات فوق بعض ، فجعل محمدا ﷺ أشرف الأنبياء والمرسلين .",
            "﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ﴾ [البقرة: ٢٥٣].",
            "وقدم الله الصحابة على سائر المسلمين.",
            "وقدم من الصحابة: المهاجرين والأنصار.",
            "وقدم من المهاجرين والأنصار أصحاب بدر وأصحاب بيعة الرضوان.",
            "وقدم من هؤلاء : العشرة المبشرين بالجنة.",
            "وقدم من العشرة : الخلفاء الراشدين.",
            "وقدم من الراشدين : أبا بكر وعمر .",
            "وكما قدمهم الله ، فقد قدمهم رسول الله ﷺ .",
            "قال الحسن البصري:",
            "حضر باب عمر بن الخطاب سهيل بن عمرو، والحارث بن هشام ، وأبو سفيان بن حرب ، ونفر من قريش من تلك الرؤوس، وصهيب وبلال، وتلك الموالي الذين شهدوا بدرا، فخرج إذن عمر فأذن لهم، وترك هؤلاء ، فقال أبو سفيان : لم أر كاليوم قط ، يأذن لهؤلاء العبيد ويتركنا على بابه ولا يلتفت إلينا."
          ]
        },
        {
          "page_number": 63,
          "content": [
            "قال سهيل بن عمرو، وكان رجلا عاقلاً: « أيها القوم، إني والله لقد أرى الذي في وجوهكم إن كنتم غضابا فاغضبوا على أنفسكم، دعي القوم ودعيتم ، فأسرعوا وأبطأتم ، فكيف بكم إذا دعوا ليوم القيامة وتركتم ، أما والله لما سبقوكم إليه من الفضل مما لا ترون أشد عليكم فوتا من بابكم هذا الذي تنافسهم عليه » ، ونفض ثوبه وانطلق.",
            "قال الحسن : « وصدق والله سهيل .. لا يجعل الله عبدا أسرع إليه كعبد أبطأ عنه » .",
            "وقدم الله كذلك العبد الصالح على الطالح ، وقدم العالم على الجاهل، وقدم البر على الفاجر.",
            "وقدم أحبابه على غيرهم ، لأنهم قدموا الله على غيره.",
            "قال الإمام النووي : « قدم من يشاء من خلقه إلى رحمته بتوفيقه، ويؤخر من يشاء عن ذلك لخذلانه » .",
            "وقدم الله المصلح على الصالح ، فقال رسول الله ﷺ : « المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم » (1) .",
            "وقدَّم الله أهل القرآن في الحياة وحتى بعد الممات، ففي غزوة تبوك أمر النبي ﷺ الأوس والخزرج أن يحمل راياتهم أكثرهم أخذا للقرآن ، بل وقدمهم حتى بعد موتهم، فروى البخاري عن جابر بن عبد الله : أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ، ثم يقول : أيهم أكثر أخذا للقرآن ؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في الأحد.",
            "تقدم من تشاء لطاعتك، وتؤخر من شئت عن ذلك البالغ حكمتك.",
            "تقدم من شئت في مراتب الكمال وغايات الجلال، وتؤخر من شئت عن معالي الأمور إلى سفسافها.",
            "(1) صحيح : رواه أحمد والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة كما في صحيح الجامع رقم: ٦٦٥١ ."
          ]
        },
        {
          "page_number": 64,
          "content": [
            "2. تقديم الأعمال:",
            "قدم الله باذل الصدقة على أخذها ، فقال رسول الله ﷺ : « أفضل الصدقة مَا تَرَكَ غِنى ، واليد العليا خير من اليد السفلى » (1) .",
            "وقدم فضل العلم على فضل العبادة، فقال ﷺ : « وفضل في علم خير من فضل في عبادة، وملاك الدين الورع » (٢) .",
            "وقدم الرباط في سبيل الله على الصيام والقيام ، فقال ﷺ : « رباط يوم خير من صيام شهر وقيامه » (۳) .",
            "وقال ﷺ : « رباط شهر خير من صيام دهر » (٤) .",
            "وقدم الجهاد في سبيل الله على قيام الليل ، فقال ﷺ : « قيام ساعة في الصف للقتال في سبيل الله خير من قيام ستين سنة . » (٥) .",
            "الواجبات العملية لاسم الله المقدم والمؤخر",
            "1. إن قدَّمت الله قدمك، وتتأخر عن الله باتباع هواك وشهوتك فيؤخرك، فالله سبحانه وتعالى هو المقدم والمؤخر، فمن اتقى الله ها به كل شيء، ومن أعرض عن الله انتزع الله هيبته من قلوب الخلق : ﴿ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُكْرِم ﴾ .",
            "2. ثق أن التقديم والتأخير من الله يحمل في طياته حكما عظيمة ، فلا تحزن ولا تيأس إن تأخر رزق أو عافية أو فرج، وكما قيل : كل تأخيرة وفيها خيرة.",
            "(1) صحيح : رواه البخاري عن أبي هريرة كما في صحيح الجامع رقم : ١١١٤.",
            "(2) صحيح : رواه البيهقي عن عائشة كما في صحيح الجامع رقم: ١٧٢٧.",
            "(3) صحيح : رواه أحمد عن ابن عمر كما في صحيح الجامع رقم : ٣٤٨٠ .",
            "(4) صحيح : رواه الطبراني عن أبي الدرداء كما في صحيح الجامع رقم: ٣٤٧٩.",
            "(5) صحيح : رواه ابن عساكر عن أبي هريرة كما في صحيح الجامع رقم: ٤٤٢٩ ."
          ]
        },
        {
          "page_number": 65,
          "content": [
            "كان عمر بن عبد العزيز كثيرا ما يدعو : « اللهم رضني بقضائك، وبارك لي في قدرك، حتى لا أحب تعجيل شيء أخرته ، ولا تأخير شيء عجلته » .",
            "3. إذا قدمك الله لطاعة ، فهذا من توفيقه ، وإذا أخرك ، فهذا عقوبة على سوء عملك وتقصيرك .",
            "4. اجعل تقديم الآخرة أهم ! إذا كان تقديمك في نعيم الدنيا يجلب سعادة النفوس، فكيف إذا قدمك في درجات الآخرة ؟! ﴿ وَالْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ﴾ .",
            "5. كم من عبد في ظاهره من المبعدين ، ثم يظهر في الآخرة أنه من المقربين، وكم من مغمور بين الناس لا يكاد يبين ، ثم هو غدا في أعلى عليين .",
            "قال عمر بن الخطاب له يوما عن أخيه زيد بن الخطاب : « رحم الله زيدًا .. سبقني إلى الحسنيين : أسلم قبلي، واستُشهد قبلي » .",
            "6. احذر تقديم ما أخره الله ولو اجتمع الخلق على تقديمه ، وإياك وتأخير ما قدمه الله ، ولو اجتمع الناس على تأخيره.",
            "7. إذا قدمك الله على غيرك بفضل دنيوي، فاجتهد أن تتقدم عليه كذلك في الأجر الأخروي.",
            "دخل ابن السماك على هارون الرشيد، فقال: « يا أمير المؤمنين ، إن الله لم يجعل أحدًا فوقك ، فلا ينبغي أن يكون أحد أطوع منك لله عز وجل » ."
          ]
        }
      ]
    }
  ]
}